العبارة الشائعة في أروقة الإدارة الأميركية هي أننا نحارب في العراق لأن هذا البلد هو "الجبهة المركزية في الحرب على الإرهاب"، في حين أن العكس تماماً هو الصحيح. فنحن في الحقيقة متورطون في حرب عبثية لا يمكن كسبها ضد الإرهاب، وكان مطلوباً اختراعها كذريعة لغزو العراق. لكن بعد مرور قرابة أربعة أعوام على ذلك الغزو، نجد أن أوهام "المحافظين الجدد" بشأن إمكانية تحقيق سلسلة من الانتصارات النيوليبرالية الرخيصة الثمن والسريعة، قد تبددت تماماً. ورغم ذلك فإن الحرب على الإرهاب التي أعلناها كمبرر لهذا الغزو، مازالت مستمرة وعلى نحو أعنف من ذي قبل. والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في هذا السياق هو: كيف يمكن للحرب على الإرهاب أن تمنح لنفسها حياة جديدة، بتوريط الطبقة السياسية ومعظم الأميركيين ودفعهم للاعتقاد بأن هناك حاجه ماسة لخوض حرب ضد الإرهاب على الساحة العالمية، حتى ولو لم يقم دليل على وجود مثل هذا العدو في بلادهم؟ طالما أن الأمر كذلك، فما الذي يبرر إنفاق مبلغ الـ650 مليار دولار التي أنفقت على تلك الحرب..؟ وما الذي يبرر هذه الهستيريا التي لا أساس لها حول "الخلايا النائمة"..؟ وما الذي يبرر الإجراءات المكارثية التي يتم اتخاذها..؟ وما الذي يبرر حالات الإدانة الاستباقية التي لم تشهد بلادنا مثيلاً لها منذ أواسط القرن الماضي؟ علينا أن ننظر إلى الطريقة التي استجاب بها الكونجرس للحرب على الإرهاب: ففي صيف عام 2003 تم تحديد 160 هدفاً محتملاً يمكن أن تتعرض لهجمات الإرهابيين، وهو ما دفع نواب كل ولاية أو دائرة لمحاولة البحث عن أي هدف يحتمل تعرضه لهجمات الإرهابيين حتى يستطيعوا الحصول على مزيد من المخصصات المالية المقررة من الكونجرس. فما النتيجة التي أدى إليها ذلك الأمر؟ لقد أدى إلى اتساع نطاق تعريف الأهداف المحتمل تعرضها للإرهاب، وبالتالي حدوث زيادة هائلة في عدد الأصول والموجودات الواجب حمايتها، حيث ارتفع رقمها من 1849 أواخر عام 2003 إلى 28364 أواخر عام 2004، إلى 77069 أواخر عام 2005، ويتوقع أن يكون الرقم قد وصل نهاية العام المنصرم إلى 300000. واليوم نجد أن جماعات الضغط وجماعات المصالح في كل ولاية من الولايات المتحدة، تقوم بإعادة صوغ أهدافها التقليدية ومقترحاتها التمويلية، بحيث تبدو أهم مما كانت عليه من قبل تحت ذريعة حتميات ومتطلبات الحرب على الإرهاب. ولا يقتصر الأمر على جماعات الضغط وجماعات المصالح، حيث ادعت الجمعية الأميركية الوطنية للأسلحة النارية وجود حاجة لقيام مزيد من الأميركيين بحمل الأسلحة النارية للدفاع عن أنفسهم ضد الإرهابيين... كما طالبت كلية الطب البيطري بزيادة مخصصاتها أربعة أضعاف، وحجتها في ذلك أن البيطريين سيكونون في الخط الأمامي من المواجهة إذا قام الإرهابيون بشن حرب بيولوجية من خلال استخدام جرثومة الحمى القلاعية لتدمير ثروتنا الحيوانية. كما طالبت جمعية طب الأطفال بزيادة مخصصاتها هي الأخرى لأن معالجة الأطفال ضحايا الإرهاب ستكون أكثر صعوبة وأكثر تكلفة من معالجة الكبار والراشدين. هذا غير العدد الكبير من الشركات الاستشارية والشركات المتخصصة في مكافحة الإرهاب، والتي تحاول هي الأخرى زيادة حجم أعمالها من خلال المبالغة في درجة خطورة الهجمات الإرهابية المحتملة، وكذلك الجامعات التي قام كثير منها بتنظيم دورات دراسية كاملة في حقل الأمن الداخلي. وقد دفع ذلك وزارة الأمن الداخلي إلى إعداد قائمة مكونة من 15 سيناريو من السيناريوهات المحتملة والتي يمكن أن تساعد جهات الكونجرس المختصة في عملية تخصيص الأموال. ولكي تتأهل حكومة الولايات المتحدة والحكومات المحلية، فإنه يجب أن تقدم دراسات تبين من خلالها كيف ستستخدم المخصصات التي تطالب بها لمواجهة سيناريو واحد على الأقل من بين تلك السيناريوهات. لكن ما هي الآلية التي استندت إليها وزارة الأمن الداخلي في إعداد تلك القائمة؟ هذه الآلية سياسية إلى حد كبير، وكان الدافع إليها في الأساس هو المنافسة الشرسة بين الوكالات والولايات والمحليات التي كانت كل منها تعلم تمام العلم أن الحصول على المخصصات التي تريدها، سيعتمد على نوع السيناريو الذي سيتم إدراجه أو الذي سيتم استبعاده. والسيناريوهات التي تم إدراجها كانت هي مرض الجمرة الخبيثة، أو الهجوم بمواد كيماوية على استاد رياضي مكتظ بالجماهير، أو مرض الحمى القلاعية... أما السيناريوهات التي تم استبعادها فهي شن هجوم كيماوي على خزانات الغاز الطبيعي السائل، أو فيروس غرب النيل. ومن بين الظواهر اللافتة للنظر في هذا السياق، ما لوحظ من غياب الرغبة لدى الحكومة الفيدرالية في تحديد العدو الذي يمثل خطراً إرهابياً بشكل دقيق، حيث اكتفت بوصف ذلك العدو بـ"الخصم العالمي" -أي الخصم المناوئ الموجود في كل مكان والقادر على اتخاذ أي شكل- وذلك بدلاً من الاستجابة لتهديدات حقيقية يشكلها أعداء حقيقيون، مما جعلنا في النهاية نستعد لمواجهةِ قائمةٍ لا نهائيةٍ من الأشياء السيئة التي يمكن أن تحدث لنا! لقد تعلم الأميركيون أن حرب العراق كانت خطأ كارثياً... لكن لا يزال يتعين عليهم أيضاً أن يعرفوا الحقيقة حول الحرب على الإرهاب بشكل أكثر دقة، حتى لا تجد بلادهم نفسها، كما قال "أسامة ابن لادن" في أحد شرائطه المتلفزة، وسط عاصفة مدمرة من الضياع والقلق والتصنت والملاحقة... وهي عاصفة ستستنزف طاقات أميركا وتجعلها تترنح على حافة الإفلاس! إيان إس. لاستك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستاذ بجامعة بنسلفانيا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"