في الصومال، خلافاً لما هو عليه الحال في بؤر توتر أخرى من العالم، يبدو أن مطامح "اتحاد المحاكم الإسلامية" قد ذرتها الرياح، وأن استراتيجية "تغيير النظام" قد فعلت فعلها هناك، وبأقل الخسائر الأميركية حتى الآن. غير أن هناك عدداً من الدروس الواجب تعلمها في الصومال. فخلال الصيف الماضي، تمكن "اتحاد المحاكم الإسلامية" من السيطرة على العاصمة مقديشو، وبسط نفوذه على الجزء الغالب من بقية البلاد. وبذلك تمكن من زحزحة الحكومة الرسمية لدولة مزقتها الحروب الأهلية على امتداد الخمس عشرة سنة الماضية. ويعد "اتحاد المحاكم"، النسخة الصومالية المطابقة لحركة "طالبان" الأفغانية، بإجباره للنساء على ارتداء النقاب وتحريمه لمشاهدة الأفلام السينمائية، بل لقد بلغ به الأمر حد تحريم مشاهدة مباريات كأس العالم عبر شاشة التلفزيون. وبالإضافة إلى هذا فقد وُجهت التهم لـ"المحاكم" بأن لها صلات وعلاقات تعاون مع تنظيم "القاعدة". وبذلك فقد ووجهت الولايات المتحدة بوضع أسوأ من ذلك الذي واجهته هناك في عام 1992، عندما أرسل الرئيس جورج بوش الأب قوات إلى هناك لتقديم المساعدات الإنسانية للمنكوبين. وكما يذكر الجميع فقد تحولت تلك المهمة في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، إلى ما يشبه الجهد الحربي، الذي انتهى إلى كارثة "سقوط النسر الأسود" في العاصمة مقديشو عام 1993، التي لقي فيها 18 من مقاتلينا مصرعهم المأساوي. وفي ذلك الوقت، كان قد جرى تذكيرنا بأن في مجرد وجودنا العسكري هناك، ما يثير مشاعر الكثيرين في دول العالم الثالث ضدنا. وكما لاحظ "دوق ويلنتجون" من قبل، فإنه ليس ثمة ما يسمى بـ"حرب صغيرة" للدولة العظمى. وتؤكد وقائع اليوم، ذات الرؤية، مع تنامي واتساع نطاق النزاعات والحروب، ما أن تطأ أحذية "العم سام" الخشنة أرض أي من الدول الخارجية. وينبغي على أميركا تعلم ذلك الدرس مراراً وتكراراً. فقد ذهبنا سراعاً خفافاً في مهمة عاجلة إلى أفغانستان في عام 2001، ولكن لننظر كم أصبحنا ثقالاً واتسعت مهامنا اليوم هناك على نحو لم نكن نتوقعه أصلاً. أما النتيجة التي كان يفترض التنبؤ بها سلفاً فهي اتساع نطاق حرب العصابات، التي تتعاظم خسائرها يوماً إثر الآخر. وبالطريقة ذاتها ذهبنا بعد ذلك بعامين إلى العراق، وها أنت ترى بأم عينيك ما يجري لنا الآن في ذلك البلد! لكن من حسن الطالع، أن التجربة الصومالية الأخيرة، كشفت أن واشنطن قد تعلمت الكثير في تصديها لخطر الجماعات الإسلامية. وأعني هنا على وجه التحديد نجاحها في استخدام القوات المحلية والإقليمية البديلة لجنودها وقواتها هناك. ذلك أن هذه القوات المحلية، أثبتت قدرتها القتالية ونجاحها في أداء مهامها الحربية. وبالنتيجة، فإن ذلك لم يسفر عن خفض التكلفة العسكرية للحرب فحسب، بل فتح منافذ أفضل وأوسع لتحقيق النجاح السياسي لتلك المهام. وكما هو متوقع، فقد خاضت مليشيات "اتحاد المحاكم الإسلامية"، عدة معارك ومناوشات صغيرة مع القوات الإثيوبية المسيحية المساندة للحكومة الصومالية، في الخطوط الحدودية الفاصلة بين البلدين. ونتيجة لذلك، قررت إثيوبيا تعبئة جيشها ومقاتلاتها الجوية في العشرين من ديسمبر المنصرم، وتمكنت من مواصلة زحفها داخل الأراضي الصومالية، حتى بلغت عاصمتها مقديشو في تسعة أيام فحسب، وطردت منها كافة عناصر "اتحاد المحاكم الإسلامية". والسؤال هنا: كيف أمكن لأديس أبابا أن تكون بكل هذه الدرجة من القدرة والكفاءة الحربية؟ والإجابة هي أن الدعم الذي قدمته لها الولايات المتحدة في هذه الحرب، كان منطلقاً من قناعة واشنطن بأن أديس أبابا إنما خاضت حربها هذه على المليشيات الإسلامية، دفاعاً عن نفسها وسيادتها، وليس اعتداءً على حدود دولة مجاورة. ثم يضاف عامل آخر مهم في هذا النجاح، يتمثل في ذكاء كل من واشنطن وأديس أبابا، في إضفاء وجه صومالي وطني على تعاونهما ضد المليشيات المذكورة. وذلك هو الدرس الأهم الواجب تعلمه من التجربة الصومالية. جيمس بنكيرتون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"