الآن وقد ووري الثرى جثمان الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد، بكل مراسم الشرف التي استحقها عن جدارة. وبما أن الرجل قد كرم على النحو الذي يستحق، فإن علينا أن نذكر له خير ما خلفه لنا من مآثر ومناقب. وليس بينها ما يعلو "قانون استقلال الطاقة" الذي سنه، مما يمكن لي اقتراحه هنا. وربما لا يذكر دوره ومبادرته التاريخية في هذا المجال، سوى القليل جداً منا. بيد أنه حق علينا القول إنه كان أول رئيس في التاريخ الأميركي، يعمد إلى استخدام الرافعة السياسية الرئاسية في سبيل وقف إدماننا للنفط. ذلك ما قاله "فليب فيرليجر" الذي أكد أن فورد كان سابقاً لزمانه بوقت طويل. غير أنه من الجيد أن جاء الآن زمان فورد ولحظته التاريخية. ففي اعتقادي الشخصي أن أفضل ما يستطيع الرئيس بوش إسداءه لسيرة "فورد" وتراثه، بل ولعهد بوش نفسه وسيرته الشخصية، هو أن يكرس خطابه المتوقع عن "حالة الاتحاد" لاستكمال أجندة استقلال الطاقة التي وضعها "فورد" قبل 32 عاماً من الآن، في أعقاب المقاطعة النفطية العربية وصدمة الطاقة التي شهدها العالم وقتئذ. وكما تذكرنا صفحة الطاقة، بالموقع الإلكتروني الخاص بمكتبة الرئيس "فورد"، فقد صرح قائلاً إنه ليس بوسعه الجلوس مكتوف اليدين، ومتابعة الفرجة على حديث الأميركيين المستمر عن أزمة الطاقة، دون أن يفعل شيئاً حيالها. كما تذكّر الصفحة نفسها بأن "فورد" رفض قبول أنصاف الحلول التي أخفقت في تغيير ذلك المسار الذي أفضى إلى تعريض الأمن الأميركي لذلك الخطر الناشئ عن المصالح الاقتصادية الأجنبية. وعليه فقد كان طبيعياً أن اقترح "فورد" حزمة من التدابير والإجراءات الصارمة والضرورية، بما يكفل استقلال أميركا في مجال الطاقة بحلول عام 1985، إضافة إلى استعادة وضعها في مقدمة الدول المنتجة للطاقة. وكان "فورد" قد أرسى دعائم ولبنات رؤيته هذه في خطابه عن "حالة الاتحاد" لعام 1975 بقوله: "إنني على يقين وإيمان عميق بمقدرات أميركا. ولذلك فإن برنامجي للسنوات العشر المقبلة يتوقع: إنشاء 200 محطة للطاقة النووية النظيفة، وكذلك إنشاء 250 منجماً رئيسياً جديداً للفحم الحجري، يصحبها إنشاء 150 محطة من محطات الفحم، وكذلك إنشاء 30 مصفاة من كبريات مصافي النفط، و20 محطة من محطات الوقود الصناعي، إلى جانب حفر الآلاف من آبار النفط الجديدة، وتشييد 18 مليون منزل جديد، وتصنيع وبيع الملايين من السيارات والحافلات الجديدة. ولنذكر أن الرئيس الأسبق فرانكلين دي. روزفلت، كان قد أعلن إبان أزمة 1942، أن أميركا سوف تصنع 60 ألفاً من الطائرات المقاتلة. وما أن حل العام التالي لذلك التصريح، حتى بلغ عدد إنتاجنا السنوي من تلك الطائرات حوالي 125 ألفاً. لقد فعلها إذن، وها نحن في مقدورنا كذلك الوفاء بما وعدنا به". ومن البديهي أن اتجاه جهود الرئيس "فورد" لتنصبَّ على مناجم الفحم الحجري وحقول النفط المحلية، قد حدث في وقت كان فيه وعي الكثيرين متدنياً للغاية بمعضلة التغير المناخي. ومع ذلك فإنه لم يكن مجرد منظِّر لا أكثر في مجال الطاقة، لا تتجاوز تصريحاته حدود الكلام. وليس أدل على ذلك من استخدامه لسلطاته الرئاسية في فرض رسم ضريبي قدره 3 دولارات على كل برميل من براميل النفط المستورد، بغية الحد من معدل استهلاك الوقود الأجنبي. وقد كانت تلك مبادرة يثمن عليها كثيراً ميراث "فورد" وسيرته الرئاسية، على حد ملاحظة السيد "فيرليجر" -آنف الذكر- خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن سعر البرميل المستورد في ذلك الوقت، كان 10.76 دولار فحسب. وكما شدد "فيرليجر" فإن علينا قراءة تلك المبادرة جيداً ووضعها في سياقها الصحيح. ذلك أن رئيساً وقائداً جمهورياً، كان قد بادر إلى فرض رسم ضريبي كبير على كل برميل من النفط المستورد، بغية الحد من استهلاكنا للوقود الأجنبي. وهذا هو الواجب الذي لا يزال مطروحاً على طاولة الرئيس بوش. وفي ظني أنه قادر عليه إن أراد. وبفضل قانون "سياسات حفظ الطاقة" الذي سنه "فورد" عام 1975، وغيره من الإجراءات والتدابير الأخرى التي اتخذها، فقد تضمن إرثه في مجال الطاقة ما يلي: إنشاء احتياطي نفطي استراتيجي كافٍ للاستخدام في الحالات الطارئة، رفع تدريجي للقيود المفروضة على أسعار النفط المحلي بغية تشجيع مزيد من جهود استكشاف حقول النفط الجديدة، زيادة حجم الاستثمار في أبحاث الطاقة، تقديم المساعدة اللازمة للولايات فيما يتعلق ببرامجها الخاصة بالحفاظ على الطاقة. وفوق ذلك كله وقبله من حيث الأهمية: فرض الرئيس "فورد" لمعايير الميل عن كل جالون مستهلك من وقود النفط. واليوم فإن مما يثير الحيرة والدهشة بحق، إحجام إدارة بوش عن حث الأميركيين على ترشيد استهلاكهم للوقود، رغم وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001 على بلادنا! وبالمقارنة، فقد لاحظ "فيرليجر" أن الرئيس "فورد" دعا إلى تحقيق هدف "صفر من الطاقة المستوردة" بحلول عام 1985، لكننا وبدلاً من ذلك، استوردنا 5 ملايين برميل إضافية يومية. أما في العام الماضي، فقد ارتفع حجم وارداتنا من الوقود إلى نحو 14 مليون برميل يومياً. وفيما لو كنا طبقنا كل ما جاء في رؤية "فورد" لكان برميل النفط قد انخفض إلى 20 دولاراً فحسب، بدلاً من سعره الحالي البالغ 60 دولاراً، ولكُنا قد تفادينا كارثة ذوبان الأغطية الجليدية في المناطق القطبية، ولكان أمام الدب القطبي مزيد من الأيام والسنوات ليحياها بيننا، بينما نفتح لأطفالنا مزيداً من نوافذ الأمل والمستقبل. توماس فريدمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"