تحتل القارة الأفريقية، المبتلاة بالحروب والمجاعة والأمراض والتوترات العرقية، عموماً مقعداً خلفياً في خطط "البنتاجون" واستراتيجياته؛ إلا أن بعض المسؤولين الأميركيين يقولون إن هذا الأمر في طريقه إلى التغير اليوم؛ ذلك أن أحد آخر أعمال دونالد رامسفيلد قبل أن يخلفه "روبرت جيتس" الشهر الماضي في منصب وزير الدفاع تمثل في مناشدة الرئيس بوش بالسماح للبنتاجون بإيجاد "قيادة" جديدة خاصة بأفريقيا تولي اهتماماً أكبر لهذه القارة المضطربة. ويقال إن بوش وافق على الفكرة ومن المتوقع أن يعلن عنها مطلع هذا العام. ويرى الخبراء أن إنشاء قيادة جديدة يمثل أكثر من مجرد إجراء بيروقراطي، وأن دوافع الحكومة الأميركية من وراء هذا التوجه الجديد تتمثل أساساً في الرد على وجود "القاعدة" المعروف في أفريقيا، وحماية إمدادات النفط المستقبلية، والتنافس مع الصين التي تعمل على استمالة الحكومات الأفريقية وخطب ودها في مساعيها إلى تأمين مصادر الطاقة. وفي هذا الإطار، يقول "ميلفين فوت"، رئيس "أنصار أفريقيا"، وهي منظمة غير ربحية تعمل على تعزيز العلاقات الأميركية مع الحكومات الأفريقية، إن القيادة الجديدة المتوقعة "تترجم حقيقة أن أفريقيا باتت تكتسي اليوم أهمية أكبر مقارنة مع أي وقت مضى". والواقع أن فكرة إنشاء قيادة خاصة بأفريقيا شكل موضوع بحث ومناقشة على مدى أعوام عدة، غير أن "فوت" يرى أنها اتخذت طابعاً ملحاً وعاجلاً في ضوء الأحداث الأخيرة، ومن ذلك سيطرة "المحاكم الإسلامية" على الصومال في يونيو الماضي إلى غاية هذا الأسبوع، بعد تدخل القوات الإثيوبية التي قامت بتنحيتها عن السلطة؛ واستضافة الصين لمؤتمر في بكين العام الماضي ضم الرؤساء الأفارقة، وتميز بعقد اتفاقات حول إنشاء بنى تحتية في أفريقيا مقابل النفط بلغ مجموع قيمتها نحو 5 مليارات دولار. ويشير "فوت" إلى أن الولايات المتحدة تحصل على نحو 10 في المئة من وارداتها النفطية من أفريقيا. وفي هذا السياق، يتوقع بعض الخبراء أنها ستحتاج مستقبلاً للتعويل على القارة السمراء لتأمين ما لا يقل عن 25 في المئة من احتياجاتها النفطية بحلول 2010. وفي هذا السياق، يقول "فوت": "بالنظر إلى العنف الذي يعصف بمنطقة الشرق الأوسط، هناك وجهات نظر متزايدة تقول بضرورة بناء شراكات في أفريقيا". ويرى مسؤول رفيع المستوى في "البنتاجون" طلب عدم الإفصاح عن اسمه على اعتبار أن الإعلان عن القرار يدخل ضمن دائرة اختصاص الرئيس، أن الخطوة لها علاقة بانعدام الاستقرار في القارة الأفريقية بالدرجة الأولى أكثر من علاقتها بأحداث الساعة إذ يقول "إن أفريقيا بؤرة للكثير من الأزمات"، مضيفاً "ومن المعروف أن بوش أعلن غير ما مرة أنه لا يرغب في حدوث جريمة إبادة جماعية أخرى في عهده؛ وهي في الواقع طريقةٌ لضمان وجود قيادة عسكرية تولي المزيد من الانتباه لهذا الموضوع". تُقتسم المسؤولية عن أفريقيا حالياً بين ثلاثٍ من قيادات "البنتاجون" الخمس، والتي يرأس كل واحدة منها جنرالٌ بأربع نجمات أو أدميرال يخدم تحت إمرة الرئيس بوش. أما القيادات الثلاث فهي: "قيادة أوروبا"، المسؤولة عن أوروبا وروسيا، وتشرف على أنشطة الولايات المتحدة الدفاعية في معظم أفريقيا؛ و"القيادة المركزية" التي تغطي منطقة شمال شرق أفريقيا العربية كجزء من إشرافها على الشرق الأوسط ومناطق من آسيا الوسطى وجنوب غرب آسيا؛ و"قيادة المحيط الهادي" المسؤولة عن مدغشقر والمياه الواقعة جنوب شرق أفريقيا. ويقول الملازم أول "جو كاربنتار"، المتحدث باسم "البنتاجون"، إن تقسيم العمل "يتسبب في بعض الصعوبات أثناء محاولات تنفيذ استراتيجية أكثر نجاعة وشمولية في القارة الأفريقية". ومن جهته، أفاد مسؤول "البنتاجون" الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه بأن القيادة الجديدة من المرتقب ألا تغطي مصر، التي تعد لاعباً كبيراً في سياسات الشرق الأوسط. كما أفاد المسؤولون أن "القيادة المركزية" ستستمر في الإشراف على منطقة القرن الأفريقي لفترة 18 شهراً إلى حين إنشاء "قيادة أفريقيا". ومما يُذكر أن "البنتاجون" أنشأ بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر قوةً خاصة بمنطقة القرن الأفريقي تابعة لـ"القيادة المركزية" يوجد مقرها بجيبوتي، إلا أن المسؤول الكبير في وزارة الدفاع أعلن أنه من المرتقب أن يكون مقر "قيادة إفريقيا" في الوقت الحالي على الأقل بمدينة "شتوتغارت" الألمانية حيث يوجد مقر "قيادة أوروبا". وتضم القوة الخاصة بمنطقة القرن الأفريقي نحو 1500 جندي تتمثل مهمتهم في رصد الإرهاب الدولي والقضاء عليه، وذلك عن طريق توفير التدريب العسكري والمساعدات الإنسانية للحكومات الصديقة في المقام الأول. وتمثل هذه القوات الجزء الرئيسي من الوجود العسكري الأميركي في أفريقيا. وفي هذا السياق، أعلن "هيرمان كوهين"، مساعد وزيرة الخارجية المكلف بالشؤون الأفريقية في عهد الرئيس الأسبق بوش الأب، أن البلدان الأفريقية لن ترى اختلافاً كبيراً في الوجود العسكري الأميركي على الميدان تحت القيادة الجديدة إذ يقول "إن هذه البلدان بدأت تحظى باهتمام كبير من قبل الجيش الأميركي"، حيث قامت وكالة الاستخبارات الدفاعية "بإنشاء مكاتب لها عبر أرجاء أفريقيا في السفارات الأميركية". وتقول "سوزان رايس"، مساعدة وزيرة الخارجية المكلفة بالشؤون الأفريقية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، إن إنشاء قيادة جديدة خاصة بإفريقيا "موضوع طال انتظاره"، مضيفة أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر "فعلت ما كان يمليه المنطق قبل ذلك بوقت طويل، أي ضرورة زيادة فهم مسؤولي البنتاجون للأهمية الاستراتيجية التي تكتسيها أفريقيا"، مضيفة "إن أفريقيا هي الأولى في العالم من حيث الفقر والدول الفاشلة، ولكننا نتجاهل ذلك رغم ما ينطوي عليه من أخطار". ريتشارد ويتل مراسل صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في واشنطن ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"