فيما ندخل العام الجديد، عام 2007، قد نجد أنفسنا، للأسف، أمام أسوأ التكهّنات في ما خصّ منطقة الشرق الأوسط والخليج وما يحاذيهما أو يتّصل بهما. والحال أننا ما أن نرصد، بسرعة وإيجاز، البؤر الأشدّ ترشيحاً للالتهاب، حتى نلاحظ درجة التداخل في ما بينها، بحيث يمكن لواحدتها أن تكون تمهيداً للأخرى، والعكس بالعكس. فإذا جاز القول إن بؤرة الخطر الأولى والأهمّ تبقى إيران، لجهة مشروعها في التخصيب وطموحها إلى دور إقليمي متعاظم، جاز أيضاً أن المسألة الإيرانيّة وثيقة الارتباط بالمسألة العراقيّة تبعاً لصلات طهران بمعظم القوى الشيعيّة، المسلّح منها وغير المسلّح، في بلاد الرافدين. وبفعل ارتباط كهذا يغدو من المستحيل النظر إلى المشكلة الطائفيّة في العراق، بل إلى مستقبل العراق نفسه، في معزل عن مسار الوضع الإيرانيّ وتعرّجاته. وأغلب الظنّ أن القرار الذي يفتقر إلى الحكمة، والذي نُفِّذ بنتيجته حكم الإعدام شنقاً بصدّام حسين، مؤهّل لأن يفاقم التدهور هناك، ومن ثمّ لأن يرفع مستوى القدرة الإيرانية على التأثير في داخل العراق وفي وجهته العامّة. يضاعف قلّة الحكمة في القرار هذا ضعف مبرّراته، تبعاً لما تناولته المحكمة مما اقتصر على قضيّتين لا ترقيان وحدهما إلى محاكمة للصدَّاميّة، ناهيك عن كاريكاتوريّة المحكمة أصلاً مما لا تحوجنا الشاشات التلفزيونيّة إلى أيّ إسهاب في أمرها. أمّا المسألة الفلسطينيّة - الإسرائيليّة فهي الأخرى صارت تتّصل بمجريات الوضع الإيرانيّ نظراً إلى علاقات حركة "حماس"، فضلاً عن حركة "الجهاد الإسلامي"، سياسةً وتمويلاً، بطهران. وهذا التأثير غير المسبوق في التاريخ الحديث هو ما نلقاه أيضاً في لبنان، حيث خاض "حزب الله" وإسرائيل، الصيف الماضي، حرباً مدمّرة واكبت الخلاف الإيراني- الأميركيّ حول التخصيب، وكذلك الخلاف السوريّ- الأميركيّ حول العراق وفلسطين والمحكمة ذات الطابع الدوليّ في قضيّة اغتيال الحريري. ولئن جاء الحديث الأخير الذي أدلى به وليد جنبلاط لقناة "العربيّة" نقلة إضافيّة في التصعيد، فغنيّ عن القول إن التربة السياسيّة اللبنانيّة، ومثلها التربة الفلسطينيّة، لا يلزمها إلاّ عود ثقاب كي تشتعل. وإنّما بسبب هذه العلاقة الإيرانيّة بمنظمات "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد الإسلاميّ"، باتت لطهران حصّة يصعب التقليل من حجمها في النزاع الفلسطينيّ- الإسرائيليّ، والنزاع العربيّ- الإسرائيليّ بالتالي. وحين نتذكّر موقع الموضوع المذكور من سياسات المنطقة، وموقعه في أفكارها، والطاقة التعبويّة التي لا يزال ينطوي عليها، نقترب أكثر من إدراك طبيعة الأوراق الاستراتيجيّة التي تمتلكها الجمهوريّة الإسلاميّة. بيد أن الحديث عن الترابط والتأثير يتيح لنا التكهّن بحجم ما تستطيعه إيران في ما لو اتّجهت علاقتها الثنائيّة بالولايات المتّحدة إلى مزيد من التوتّر، كأنْ تتعرّض لضربات عسكريّة تطاول منشآتها أو أيّ عمل عسكريّ من هذا القبيل. ففي حالة كتلك، سيكون في وسع آيات الله استخدام هذه "الساحات" جميعاً بطرق متفاوتة ومتغايرة، إمّا لإزعاج الولايات المتّحدة، أو ضدّ دولة إسرائيل، من خلال التنظيمات المسلّحة الحليفة في لبنان وفلسطين. وإذ يُرجّح أن تنجذب سوريا، بطريقة ما، الى المواجهة كطرف مساند لإيران، لا يُستبعَد في النظام الإيرانيّ أن يستهدف منطقة الخليج على نحو أو آخر ظانّاً أنه ينتقم من شرايين الاقتصاد الدوليّ ومن نماذج حقّقت استقرارها وازدهارها في موازاة علاقات حسنة مع البلدان الغربيّة. يشجّع على توقّع هذا الافتراض الانفجاريّ المفتوح عدد من العوامل التي تتوزّع على أطراف المنطقة كما تتفاوت في طرق اشتغالها وتعبيرها. فإذا صحّ أن العقوبات التي أنزلها مجلس الأمن بإيران، في الأيّام الأخيرة من السنة المنصرمة، لم تكن من النوع القاسي، صحّ أيضاً أن الإجماع الدوليّ على مبدأ العقوبة كان مما لم تتوقّعه طهران، ولا توقّعه معظم المراقبين الغربيّين ممن ظنّوا أن موسكو وبكين لن تكونا أبداً في هذا الوارد. ومن يدري، فقد يكون هذا التوافق مقدّمة لتوافقات أخرى يمكن أن نشير، هنا، إلى ملامح اثنين منها: ففي القرن الأفريقي، مثلاً، حظي التدخّل الأثيوبيّ دعماً للحكومة الصوماليّة ضدّ مسلّحي "المحاكم الإسلاميّة"، بتأييد واسع وعريض. هكذا اقتصرت إدانة السلوك الذي أقدمت عليه أديس أبابا على أصوات راديكاليّة وشبه راديكاليّة في العالمين العربيّ والإسلاميّ. أما في السودان، وعنه، فرشحت معلومات من الأمم المتّحدة عن إعادة نظر صينيّة بالموقف مما يجري في دارفور. وقد ذُكر، في هذا الإطار، أن بكين ستحاول، من الآن فصاعداً، الموازنة بين سمعتها التي تردّت كثيراً بسبب غضّ نظرها عن المذبحة الدائرة هناك وبين مصالحها النفطيّة مع حكومة الخرطوم. ومن يدري ما إذا كانت العواصم الدوليّة عشيّة مقايضة إجماليّة كبرى على غرار تلك التي شهدتها يالطا وترتّب عليها نظام ما بعد الحرب العالميّة الثانية. ذاك أن نهاية الحرب الباردة لم تنته إلى مثل هذه المقايضة إذ بدا أن الولايات المتّحدة هي الطرف الوحيد الذي كسب الحرب المذكورة فيما الاتّحاد السوفييتي استحال حطاماً. لكنْ تدريجاً في ما بعد، ومع الإخفاقات الأميركيّة المتلاحقة، وأهمّها الإخفاق العراقيّ ونصف الإخفاق الأفغانيّ، والمحاولة الروسيّة لاستعادة بعض قوّة الاتّحاد السوفييتيّ الراحل، ربما نشأت حاجة لما يشبه يالطا-2. فإذا ما تسنّى لصيغة كهذه أن تنشأ، كان معناها مخاطبة هواجس الأطراف جميعاً حيال ما تعتبره مصالحها الأكثر حيويّة ومباشرة: كأنْ يُقرّ لموسكو بأولويّتها في آسيا الوسطى، حيث أقيمت قواعد عسكريّة أميركيّة قبيل الحرب على حركة "طالبان"، كما في أوكرانيا وجورجيا المجاورتين لها، ولو على حساب الحركة الديمقراطيّة في هذين البلدين، مقابل إطلاق اليد الأميركيّة - الأوروبيّة في المنطقة الممتدّة من إيران إلى إسرائيل. وبعض ما يشجّع على توقّع مسار كهذا التراجع النسبيّ الذي أصاب النبرة الإيديولوجيّة في واشنطن، ومعها الدعوة الفوريّة إلى الديمقراطيّة، لمصلحة النزعة المصلحيّة للدولة، على ما كانت تبشّر مدارس المحافظين القدامى. وعلى أيّة حال، فإن سيناريو التصعيد في الشرق الأوسط والخليج يجد أسباباً متضاربة للحضّ عليه. فأوّلاً، يتبدّى كأنّ جميع العمليّات السياسيّة، في العراق ولبنان وفلسطين، باتت مسدودة، بل محكمة الانسداد، ما يستوجب عمليّة كسرٍ في موضع ما يعاد بعدها الاعتبار للجهدين السياسيّ والدبلوماسيّ. وثانياً، قد يعمل التراجع الأميركيّ عن موضوعة الديمقراطيّة الفوريّة على شحذ همّة "الاعتدال العربيّ" وإكسابه نضاليّة كان يؤثر تجنّبها. وهذا، والحقّ يقال، ما باشر ظهوره في غير بلد عربيّ، خصوصاً لبنان. وثالثاً، قد تشجّع التطوّرات الإيرانيّة الأخيرة، لاسيّما منها هزيمة الرئيس أحمدي نجاد وتيّاره في الانتخابات المحليّة، وانبعاث الصوت الداخليّ المعارض لسياسات التخصيب بعد صمت دام سنوات ثلاثاً، على اتّباع نهج تصعيديّ ضدّ طهران بوصفها الحلقة التي تجتمع فيها سائر حلقات السلسلة المعقدة. ورابعاً، هناك الوضع الإسرائيلي الذي قد يجد في التصعيد مخرجه من الضعف والارتباك اللذين تعانيهما حكومة إيهود أولمرت، خصوصاً أن عروضها "السلميّة" الأخيرة، أجاءت باسم أولمرت نفسه أم باسم وزيرة خارجيّته تسيبي ليفني، لا تبدو مرشّحة للإقلاع (وكيف تقلع فيما وزير الدفاع عمير بيريتس يشرف على إقامة مستوطنة جديدة في غور الأردن؟). وقصارى القول إنّنا ربما كنّا في صدد الانتقال إلى سنة الانفجارات الكبرى، والكوارث الكبرى، حيث تتضافر المشكلات المزمنة غير المحلولة مع مشكلات جديدة ناشئة، وحيث تلتقي الأزمات الدوليّة مع أزمات إقليميّة، وتتعانق مسائل السياسة والحاكميّة في مجتمعاتنا مع مسائل ثقافيّة وديموغرافيّة متفجّرة. وطبعاً، وفي تضاعيف هذه القضايا، سيحتلّ التنازع الدينيّ والمذهبيّ موقعه المتصدّر للأسف. وهذا جميعاً يواجه العرب، هم الذين ستدور الدوائر فوق أرضهم، بمسؤوليّة لم يسبق لهم أن واجهوها عن بلدانهم وثرواتهم والسلم الأهليّ في مجتمعاتهم. فهل لنا أن نتكهّن بكيفيّات الاستجابة المحتملة؟