مع تجدد القلق والهواجس تجاه مدى وفرة الذرة الشامية الكافية لتلبية الحاجة الغذائية ومتطلبات إنتاج الطاقة معاً، توصلت دراسة حديثة إلى أنه من المحتمل أن تستخدم محطات توليد طاقة الإيثانول الأميركية، ما يصل إلى نصف كمية الذرة الشامية المنتجة في البلاد، بحلول العام المقبل. وقد جرى بناء عشرات المحطات المختصة بتوليد طاقة الإيثانول من هذا المحصول الزراعي بواسطة الفلاحين والمستثمرين فيما يشبه تفشي حمى البحث عن الذهب، في استجابة لنداء وجهه الرئيس بوش وعدد آخر من كبار الساسة الأميركيين، لضرورة إنتاج المزيد مصادر الطاقة البديلة المتجددة، بهدف تقليص اعتماد أميركا على النفط الأجنبي. غير أن هذه الدراسة الجديدة التي أصدرها "معهد سياسات الأرض" وهو منظمة بيئية، توصلت إلى أن تسجيل المحطات المنتجة لوقود "الإيثانول"، يقل عن عددها الحقيقي بما يعادل نسبة 25 في المئة تقريباً، سواء تلك المسجلة منها بواسطة وزارة الزراعة، أم من قبل "جمعية مصادر الطاقة المتجددة"، مع العلم بأن هاتين الجهتين تعدان في مقدمة الجهات الداعية لإنتاج وتصنيع طاقة الإيثانول. من جانبه يقول "معهد سياسات الأرض" إن هناك 79 محطة من محطات إنتاج وقود الإيثانول قيد الإنشاء والتشييد في البلاد، وإنه يتوقع لهذه المحطات الجديدة أن تزيد سعة إنتاج غاز الإيثانول إلى 11 مليار جالون، أي ما يزيد على ضعف سعة الإنتاج الحالية، بحلول العام المقبل 2008. أما "جمعية مصادر الطاقة المتجددة" فأعلنت من ناحيتها الشهر الماضي، أن هناك 62 محطة جديدة فحسب قيد الإنشاء. وبسبب هذا الفارق الرقمي الكبير بين الإحصاءين، فقد ثارت سحابة من الضباب الكثيف في الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة، حول ما إذا كانت ستعطى الأولوية في توظيف محصول الذرة الشامية الزراعي، لتوفير الغذاء للمواطنين، أم لاستخدامه كمصدر طاقة بديل للنفط؟ ذلك هو ما قاله "ليستر آر. براون"، مؤلف العديد من الكتب المتخصصة في مجال البيئة، ورئيس "معهد سياسات الأرض". وأضاف "براون" قائلاً إن إعطاء الأولوية في استخدام هذا المحصول الزراعي لإنتاج وقود السيارات والمصانع والمكاتب وغيرها، من شأنه أن يؤثر على أسعار هذه السلعة على النطاق العالمي. أما "بوب دينين"، رئيس "جمعية مصادر الطاقة المتجددة"، فنفى من جانبه أن تكون الجمعية قد تعمدت تقديم إحصاءات مغلوطة لعدد محطات إنتاج "الإيثانول" الفعلي في البلاد. وصرح في لقاء صحفي أجري معه يوم الخميس الماضي، قائلاً إن جمعيته تبذل كل ما في وسعها في سبيل مواكبة النمو السريع والمتعاظم لهذه الصناعة الجديدة في مجال الطاقة البديلة. ومضت الجمعية للتخفيف من حدة القلق إزاء توزيع الأولويات بين إنتاج الغذاء والوقود. وذكر "براون" أن الإحصاءات نفسها تشير إلى أن هناك ما يؤكد وفرة ما يكفي من الذرة الشامية لإنتاج كل من الغذاء و"الإيثانول" معاً. ومضى قائلاً إنه في وسع الجمعية والجهات القائمة على أمر هذه الطاقة إنتاج ما يكفي منها، دون إحداث أي تأثير سلبي على أسعار الذرة الشامية المستخدمة لسد حاجة الغذاء. وذلك هو ما أكده "ريك تولمان"، المدير التنفيذي لـ"اتحاد منتجي الذرة الشامية القومي" أيضاً بقوله إن المزارعين والمنتجين مواكبون لتنامي الحاجة لمحصولهم سواء من ناحية توفير ما يكفي منه للغذاء أم للوقود البديل. واستطرد للقول إن المزارعين سرعان ما يستجيبون لمؤشرات الأسعار الصادرة عن الأسواق، مع العلم بأنهم واجهوا تحديات تاريخية كبيرة في الماضي، ولكن القاعدة العامة هي أن معدلات الإنتاج شهدت دائماً فائضاً في الإنتاج وليس العكس. ومع بلوغ أسعار الذرة الشامية معدلات قياسية هذا الشهر، أي ما يصل إلى قرابة الأربعة دولارات للمكيال الواحد، فإنه يتوقع أن ينتج المزارعون نحوًا من 85 مليون فدان خلال العام الجاري، أي بمعدل زيادة نسبتها 8 في المئة عما كان عليه إنتاج المحصول نفسه العام الماضي، وهو ما سيمثل الإنتاج الأكبر من نوعه للذرة الشامية في أميركا منذ عام 1985، على حد قول "دان باسي"، رئيس مجموعة "إيج ريسورز" المختصة بالأبحاث الزراعية في ولاية شيكاغو. يذكر أن إنتاج "الإيثانول" من الذرة الشامية، قد أسهم مساهمة ملحوظة في زيادة دخول المزارعين، فضلاً عن فتحه نوافذ جديدة من الأمل للاقتصاد الزراعي الراكد نوعاً ما. غير أن كل هذا الاعتماد على الذرة الشامية في إنتاج مصادر الطاقة البديلة اعتماداً على غاز "الإيثانول" في الولايات المتحدة الأميركية، قد أثار قلق وهواجس عدد من الاقتصاديين، إزاء ما إذا كان هذا الاتجاه سيؤثر سلباً على أسعار كافة المنتجات الزراعية، وفي مقدمتها الذرة الشامية نفسها، وما يرتبط بها من أشكال إنتاج زراعي أخرى، مثل أسعار الماشية نفسها، وبالتالي أسعار اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان. أما "براون"، الذي يؤمن بسرعة نمو صناعة "الإيثانول" في أميركا، فقد دعا إلى ضرورة تحديد فترة زمنية فيدرالية محددة لإنشاء المحطات الجديدة. ذلك أن المنتجين أصبحوا بحاجة لالتقاط أنفاسهم لفترة من الوقت، حتى يتمكنوا من تحديد كم يلزم من إنتاج الإيثانول، دون أن يؤثر ذلك على رفع أسعار الذرة الشامية. ألكسي باريونوفو كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"