امرأة في قفص الاتهام ---------- الكتاب الذي نعرضه هنا، "عذراء في قفص"، من الكتب التي عادة ما تثير عاصفة جدل قد يظل محتدماً لفترة طويلة من الزمن. ويرجع هذا إلى أن مؤلفة الكتاب ذاتها امرأة مثيرة للجدل، وهي "إيان هيرسي علي"، الهولندية الجنسية الصومالية الأصل، والتي تشن في هذا الكتاب هجوماً ضارياً على الرجال المسلمين، إذ تزعم أنهم يرتكبون العديد من الجرائم في حق النساء؛ مثل إجبارهن على الزواج القسري، والختان، والحرمان من التعليم أو الاكتفاء بقدر ضئيل منه، إلى الانتهاكات الجنسية. والمؤلفة تحض في كتابها النساء على عدم الخضوع والثورة على الرجال الذين يعرضونهن لهذا العنف والقسوة والاضطهاد. وتضمن المؤلفة كتابها العديد من الادعاءات والعبارات المستفزة للمسلمين، رجالاً كانوا أم نساءً، من ذلك زعمها أن قيمة المرأة في الثقافة الإسلامية تختزل في غشاء البكارة، فإذا ما حافظت عليه فإنها امرأة ذات شرف، وإلا فهي تفقد ذلك الشرف! والحقيقة أن هذه النوعية من النساء اللائي يأتين من مجتمعات مسلمة، ثم ينسلخن من هويتهن، مثل "هيرسي"، كثيراً ما يثرن متاعب سواء لمؤيديهن أو لمعارضيهن. فشخصية المؤلفة وموقفها المتحدي، ساهما في إيصالها إلى المكانة التي تمتعت بها في هولندا كشخصية سياسية ونجمة إعلامية مرغوبة! والحقيقة أن الانطباع الذي سيتبقى لدى القارئ بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، ليس دور المؤلفة كناشطة في حركة حرية المرأة، وإنما عداؤها الشديد للإسلام، مما دفع بعض المسلمين إلى القول بأن ما تفعله مجرد وسيلة للفت الأنظار والحصول على الشهرة والمكانة في الغرب. وتحاول المؤلفة في هذا الكتاب الرد على تلك الاتهامات بالقول إن موقفها لم يكن هدفه اكتساب الشهرة والمكانة، ولكنه نابع من معاناتها الشخصية، حيث تعرضت لعملية ختان، وللتهديد بتزويجها قسرياً من شخص لا تربطها به أية عاطفة، وإنها قد تعلمت من خلال تجاربها المؤلمة ألا تكبت مشاعرها، وأن تنفس عن غضبها غير مبالية بآراء الآخرين. ورغم كل ما قالته "هيرسي" في كتابها هذا، فإن القارئ لابد أن يجد أن كثيراً من آرائها، وضمنها ما أوردته في فيلم "الخضوع" الذي كتبت نصه وحواره وأخرجه السينمائي الهولندي المتعصب ضد الإسلام "ثيو فان جوخ"... لابد أن يجد أن كثيراً من تلك الآراء المتطرفة، يصيب مؤيديها بالضرر، ولا يقتصر أذاها على من تتوجه إليهم بهجومها غير العقلاني. والقول بأن هجومها على الإسلام هجوم غير عقلاني، يستند إلى العديد من الأدلة؛ من ذلك على سبيل المثال أنها لا تعارض السلطة البطريركية "الأبوية" بشكل عام، ولكنها تعارضها في المجتمع الإسلامي فقط، وهو ما يقلل من مصداقيتها إذا ما عرفنا أن "البطريركية" تتشابه في كثير من السمات والملامح لدى معظم المجتمعات، ولا تكاد تختلف إلا قليلاً. ومن الأدلة أيضاً على عدم عقلانيتها ما تحاول تسويقه من آراء أخرى تفتقد إلى المصداقية أيضاً، كقولها إن الإسلام تغلب عليه منظومة أخلاقية تجعل من الجنس موضوعاً مركزياً فيه، وأن تلك المنظومة مستمدة من تقاليد القبائل البدوية التي ترجع إلى العهد الأول للرسالة، وهي تقاليد تعتبر المرأة من ممتلكات الرجل أو مجرد متاع له، وأن عليها أن تخضع له دائماً وتنقاد لمشيئته وتحافظ خلال ذلك على عفتها وبكارتها وتقنع بمكانها خلف الأسوار..! إلى غير ذلك من التعميمات السمجة. إن هذه الظواهر وإن كانت موجودة في بعض المجتمعات الإسلامية، فإنها لا تقتصر عليها، بل هي موجودة في شعوب وثقافات وديانات أخرى كممارسة مقننة ومقبولة، والقول بأنها تقليد "إسلامي" فيه مجافاة كاملة للحقيقة، بل يكشف بجلاء أن المؤلفة تتخذ من الهجوم على الإسلام هدفاً في حد ذاته كي تظل مقبولة في موطنها الجديد (هولندا). فمما لا يخفى على أحد، بما في ذلك المؤلفة نفسها، أن الإسلام كرّم المرأة ومنحها كل الحقوق التي تلائم طبيعتها العقلية والبيولوجية، وهي اليوم في معظم المجتمعات الإسلامية، تمثل نداً للرجل في كافة المجالات، وتتمتع بكل الحريات المتاحة للرجل، بل في بعض المرات أكثر من نظيرتها الغربية. فهناك مجتمعات ودول إسلامية تغلب عليها الثقافة الذكورية والبطريركية، ومع ذلك سمحت للمرأة أن تحكمها، مثل باكستان وبنجلادش، وهو ما ليس متاحاً للمرأة سوى في مجتمعات أوروبية تعد على أصابع اليد الواحدة، بل لم يتح بعد للمرأة الأميركية. علاوة على ذلك فالنساء المسلمات اللائي يسعين إلى الحصول على حرياتهن، يفعلن ذلك وهن داخل الإسلام وليس من خارجه، أي أن سعيهن لا يدفعهن إطلاقاً إلى الخروج على الدين ومعاداته كما فعلت "هيرسي". وكل الاتهامات التي لفقتها المؤلفة بحق ملتها، هي اتهامات مردود عليها، فقهر المرأة إن وجد كحالة في بعض المجتمعات الإسلامية، فهو ليس من طبيعة إسلامية بل يمثل تناقضاً مع أحكام الإسلام وجوهر مقاصده، أي أنه انحراف عن صحيح الدين وثابته إلى موروثات اجتماعية شرقية سابقة على الإسلام الذي حرر الإنسان من سائر أشكال العبودية والرق والخضوع لغير الله رب العالمين. والمتابع المنصف يعلم تماماً أن المجتمعات الإسلامية، سواء في واقعها الحالي أو في ماضيها، ليست بتلك الدرجة من السوء التي تحاول المؤلفة أن ترسمها، كما أن المجتمعات الغربية هي الأخرى ليست معياراً على درجة عليا من النقاء والطهر والاستقامة والصلاح... التي حاولت المؤلفة أن تقنع القراء بها. الكتاب: عذراء في قفص المؤلفة: إيان هيرسي على دار النشر: فري بريس تاريخ النشر: 2006 سعيد كامل