العواصف عندما تهب، تقتلع في طريقها الأخضر واليابس، فهي لا تستثني أحداً من بطشها. كذلك النسائم العليلة، إذا مرت على مدن، أو قلاع، أو لامست وجوه الناس، فهي تنعش الأفئدة، وتربت على الأجساد بوداعة، وتُُسعد الخاطر، وتُريح البال. ما جرى مؤخراً في دولة الإمارات العربية المتحدة، مع أول انتخابات برلمانية تُجرى في البلاد، وإعطاء الحق للمرأة في الترشيح الانتخابي للمجلس الوطني، يُؤكد أن الإمارات تسير بخطى واعية، نحو تثبيت معالم الديمقراطية، خاصة وأن الدول الخليجية بصفة عامة ما زالت حديثة العهد على المجتمعات المدنية بصورتها الحقيقية. فوز الدكتورة أمل القبيسي لعضوية المجلس الوطني بإمارة أبوظبي، أثلج صدري، كون نجاحها من وجهة نظري نجاحاً للمرأة الخليجية، التي ما زالت تعيش في أجواء اجتماعية خاصة، وتتلمس خطواتها نحو المشاركة السياسية، مقارنة بأختها العربية التي قطعت شوطاً لا بأس به في الحياة البرلمانية داخل بلدها. أنا من المؤمنات بأن دور المرأة داخل مجتمعها، لا يمكن أن يُشكِّل دفعة بارزة، إلا إذا اقتنعت الجهات الرسمية، والمؤسسات التربوية والعلمية على اختلاف توجهاتها، بأهمية دور المرأة في الحياة العامة، والوقوف بجانبها، والإيمان عن قناعة بأن فتح المجال أمامها للمشاركة السياسية، ليس ترفاً بل هو مطلب أساسي، وسلوك حضاريّ، لتأخذ الحياة الاجتماعية دورتها الطبيعية. وأتوقّف عند عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، التي قالها بمناسبة فتح الباب أمام المرأة الإماراتية للترشيح الانتخابي، بأن المكان الذي لا تُوجد فيه امرأة، لا تُوجد فيه روح. وأنا أتابع بغبطة ما يجري داخل الإمارات، طاف في ذهني ما نشرته إحدى الصحف الخليجية، ووضعته عنواناً رئيسيّاً بصفحاتها الأولى "لم يكن للمرأة يوماً أي دور سياسي على مدار تاريخنا الإسلامي!!". إن القرآن الذي نستمد منه أصول شريعتنا ذكر الملكة بلقيس، بأنه كان لها ملك عظيم. ولا ننسى شجرة الدر في مصر، التي كان عصرها من أزهى العصور، وهذا غيض من فيض، وتاريخنا الإسلامي يزخر بالكثير من الإنجازات المشرقة التي قامت بها المرأة العربية، والكل يعلم بما تحتويه بطون الكتب في تراثنا المكتوب. وهنا أجد نفسي، أصبُّ اللوم على بعض الصحف الخليجية، التي تُفسح المجال لأصحاب العقول المتحجرة، في أن تحط من قدر المرأة، وتُنكر إنجازاتها، وتُفرد صفحاتها في الترويج لهذه الآراء المغلوطة، وتُعطي المجال لهذه الفئة من الأئمة الذين ينظرون للمرأة نظرة ضيقة، في تشويه فكر الناس داخل مجتمعاتهم، والعبث بالإنجازات التي قدمتها المرأة العربية على مدار التاريخ، كأن دورة الحياة قامت على سواعد الرجال فقط! تحية للمرأة الإماراتية حتّى لو كانت الفائزة واحدة من عشرات تقدّمن. هذه النسمة الطيبة لابد أن تأخذ طريقها يوماً لبقية الدول الخليجية، حتّى وإن لم تحرز المرأة نجاحات في الكويت، وباءت بالفشل في الانتخابات الأخيرة في البحرين، يكفي أن الأجيال الصاعدة، ستتربّى على تقبّل هذه الصور المضيئة، وعلى تقدير مكانة المرأة. إن إعطاء الحق للمرأة في صنع القرار داخل بلدها، وإفساح المجال أمامها للمشاركة في الحياة النيابية، يعني احتراماً لقدراتها، واعترافاً بدورها الفعّال في بناء وطنها، ودعماً لحقوقها الإنسانية. فهنيئا للمجتمع الإماراتي بدخول المرأة المعترك السياسي، وهنيئاً للمرأة الإماراتية بهذه القيادة الراشدة، التي فتحت لها الأبواب على مصراعيها لكي تقول بأعلى صوتها أنا هنا.