نشرت صحيفة "الاتحاد"، الشهر الماضي، نتائج دراسة ميدانية أجرتها إحدى الجامعات المحلية على عيّنة عشوائية تضمّ 4800 مواطن ومواطنة عاطلين عن العمل، وألقت نتائجها الضوء على عدد من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية المهمّة لموضوع البطالة، خاصة في ما يتعلّق بظاهرة المحسوبية والواسطة، التي استحوذت على حيّز واسع من إجابات المشاركين كأهم أسباب هذه الظاهرة، حيث يرى أكثر من 74% من هذه العيّنة أن الواسطة والمحسوبية هما دائماً سببان من أسباب البطالة. وفي استطلاع للرأي أجرته الصحيفة نفسها، أكد مسؤولون ورجال أعمال وخريجون جامعيون أن المساعي التي تقوم بها الجهات المعنية لحل مشكلة البطالة حالياً، لا تعدو كونها "وعوداً موسمية" يتم إطلاقها بمناسبة معارض التوظيف التي تنظم بين الفترة والأخرى وغيرها من المناسبات فيما تتزايد الظاهرة بخط تصاعدي، مشيرين إلى أن الأمر يرتبط بممارسات إدارية غير سليمة مثل "الواسطة" والبيروقراطية التي تعوق تعيين الكثيرين ممن يحملون مؤهلات مطلوبة بشدّة في سوق العمل. مع الأخذ في الاعتبار أن أكثر من نصف حجم العيّنة التي استطلعتها هذه الدراسة هم من حملة الشهادات الجامعية أو الدبلوم، وأن أكثر من 85% من أفراد العيّنة قضوا أكثر من سنة ضمن قائمة البطالة، وهي فترة كافية لإدراك العديد من السلبيات التي تكتنف آلية التوظيف في سوق العمل، فإن كل هذه المعطيات تكسب رأي هذه الفئة حول ظاهرة المحسوبية والواسطة طابعاً مهماً من الصدقية، يجب التوقف عندها، رغم أن البيئة العامة للدولة تشير إلى عكس ذلك، حيث تتفوّق دولة الإمارات على جميع الدول العربية في مؤشر محاربة الفساد، وتحتل الترتيب رقم 31 على مستوى العالم، بحسب تقرير "منظمة الشفافية العالمية" لهذا العام. إذا كانت الواسطة والمحسوبية ظاهرتان عالميتان لا تستثنى منهما دولة من الدول، بل إن ثلثي دول العالم تعاني استفحال الفساد بمستويات خطيرة أكثر من أي وقت مضى، بحسب تقرير "منظمة الشفافية العالمية"، فإن هذا الموقع المتقدّم نسبياً لدولة الإمارات لا يعفيها من إرساء مزيد من الشفافية والمساءلة تقضي على ما تبقّى من مظاهر الفساد. فهناك لا تزال بعض السلوكيات السلبية في سوق العمل المحلي من ضمنها الوساطة والمحسوبية وانعدام الدافعية وغياب الثواب والعقاب، فضلاً عن عدم وجود قواعد حاسمة منظّمة للعمل وللترقّي، أدّى كل ذلك إلى إيجاد بعض جيوب الفساد الاقتصادي والإداري، تتطلّب مواجهة شاملة. ولمحاربة ظاهرة الواسطة والمحسوبية، هناك شروط عدة يجب توافرها، أهمها الوعي بأخطار الظاهرة نفسها، والالتزام الصارم لدى الجهات المعنية في أعلى مستوياتها بمحاربة هذه الظاهرة، وجميع ظواهر الفساد الاقتصادي والإداري الأخرى، وإصرار أفراد المجتمع ومؤسساته المدنية على اتباع القيادة لما التزمت به تحقيقاً لاستمرارية هذا الالتزام، ووضع نظام للإدارة العامة يقوم على الاعتبارات المهنية السليمة وإلغاء التعقيدات الإدارية المساعدة للفساد، خاصة في ظل الانفتاح الاقتصادي الذي تشهده الدولة حالياً والذي يفرض عليها الأخذ بالمزيد من سياسات الشفافية والوضوح والمساءلة وتحسين حاكمية الدوائر الحكومية والشركات. وهذا بدوره يطرح قدرة القوانين والتشريعات المحلية بشكلها الراهن على مواجهة مظاهر الفساد الذي يؤثر بصورة سلبية في قطاعات الاستثمار والإنتاج المختلفة، ويوجد بيئة غير صالحة للعمل والإنتاج. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية