أضاعت حكومة السودان سبعة أشهر من حياة الشعب والبلد في جدل عقيم ومناورات سياسية بائسة المصير, قُتل خلالها مئات المواطنين من نساء وأطفال دارفور، وحرقت ودمرت عشرات القرى, واتسعت دائرة الحرب، ودخلت فيها عناصر جديدة, والحكومة تغالط وتنكر ما لا يمكن المغالطة والنكران حوله، لأنه لم يكن أمر "ونسة" سودانية جرت بليل بن أطراف سودانية. الزمن الثمين الذي أهدره عباقرة "المؤتمر الوطني" في كلام غث وتنظير لا يُسمن ولا يُغني من جوع، وهم يغالطون حتى الأصدقاء في "أبوجا"، وبذلوا جهدهم حتى لا تضيع فرصة الاتفاق بينهم وبين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي دفع ثمنه هؤلاء البؤساء من رعاياهم في دارفور بل في السودان كله. وليت الجدل كان حول أمر يساوي الزمن والجهد، اللذين أهدرا من أجله، فهو لم يكن في حقيقة الأمر جهاداً ونضالاً من أجل السيادة الوطنية المهددة بالغزو الاستعماري, ولم يكن من أجل تثبيت السلام الذي ارتضته الحكومة ومن وقع معها في "أبوجا" مرغمين. وكان الجدل المضحك المبكي حول لون القبعات التي سترتديها قوات الأمم المتحدة (الداعمة) لقوات الاتحاد الأفريقي؛ فهل تكون القبعة الخضراء (الاتحاد الأفريقي) أم الزرقاء (الأمم المتحدة)؟ والقيادة قيادة القوة المختلطة التي ستكون هي الحقيقة الوحيدة التي تمخض عنها الاتفاق قبل سبعة أشهر، هل تكون لجنرال أفريقي أم جنرال أممي؟ وبينما كانت الحكومة تبشر شعبها بالصمود والاستعداد حتى الموت قبل أن تسمح بتدنيس أرض السودان الطاهرة بأقدام الغزاة, كان جميع العالمين يعلمون أن الحكومة قد وافقت وبشهادة الشهود، وأولهم وزير الخارجية المصرية، على اتفاق "أبوجا" و"الحزم الثلاث" التي تعني في نهاية الأمر أن قوات "أممية" كثيفة العدد ستنزل أرض دارفور لتتولى "حفظ سلام" هو غير متحقق حتى الآن، ولتؤمن أرواح المدنيين من غارات المليشيات المسلحة الحكومية وغيرها، ولتضمن وصول العون الإنساني إلى ضحايا الحرب والمجاعة القادمة بلاشك. وهذا هو أساس وجوهر وهدف قرارات الأمم المتحدة ومجلس أمنها في دارفور، والتي كانت منذ البداية واضحة ومفهومة لكل من أراد أن يفهم بموضوعية حقيقة الأمر. ولم يكن السودان محتاجاً لإهدار كل هذا الوقت الثمين وبذل كل هذا الجهد الضائع للتوصل إلى هذا الفهم البسيط لولا أن الحاكمين أخذتهم العزة وتملكهم الغرور الذي ليس له سند في واقعهم، وصعب عليهم أن يعترفوا ويقروا بعجزهم عن أداء أول واجبات السلطة وهو حماية المدنيين من القتل والحرق وانتهاك الحرمات والسطو المسلح على الأموال والثروات. ولو كانت هذه الأشهر السبعة المضيَّعة، وما حدث فيها وجرى من مآسٍ وكوارث وجرائم بشعة، قد وقعت في أي بلد غير "سودان المؤتمر الوطني" لما بقيت السلطة الحاكمة يوماً في السلطة، ولتنحت من تلقاء نفسها أو نحاها الشعب الذي هو المتضرر الأول من عجزها وسوء إدارتها. لكن ذلك حدث ويحدث في "سودان الإنقاذ"، ربما وكما قال "شيخ الإنقاذ الأول": "إنه ابتلاء من الله ولا يستطيع المؤمن أن يسأل ولماذا"؟! وبكل الصراحة الواجبة على السودانيين، فإن عليهم أن يعلموا أن القوات الدولية وقوات الاتحاد الأفريقي، وكل القوات المرشحة للنزول في دارفور بمختلف ألوان قبعاتها، لن تحل أزمة دارفور التي هي أزمة السودان بكل أقاليمه الجغرافية والعرقية والثقافية المتعددة. فجذور الأزمة التاريخية باقية ومستدامة ما دام الحكام ومعهم بالأسف المجتمع الدولي الجاهل أو المتجاهل لحقيقة الأزمة التاريخية ينظر إلى الأمر على أنه يندرج تحت باب الأمن وإيقاف الحرب الأهلية المكلفة بمسكنات وقتية دون أن نقدم جميعاً على إجراء تلك العملية الجراحية القاسية والمؤلمة والتي لن يجريها أي جراح أممي أو أفريقي، بل أمر أجرائها منوط بالجراح - الشعب السوداني وقد آن الأوان لأن يقول السودانيون للحكومة ومليشياتها الحليفة ولخصومها المسلحين على الجانب الآخر وللمجتمع "الدولي الصديق": لقد بلغ السيل الزبى وفاض الكيل وامتلأ، وإن عليهم أن يتدافعوا بكل العزم والشجاعة إلى غرفة الجراحة المؤلمة سواء كان اسمها المؤتمر الجامع أو المؤتمر القومي، فما هو واضح حتى الآن، ينذر بأن حريقاً هائلاً ستمتد نيرانه ليس لتحرق دارفور وكردفان وحدهما ولكن لتحرق السودان. السودان الوطن الذي لا يستحق كل هذا الذي يجري به من إجرام وبيد من؟ بيد بعض من بنيه!