من بديهيات الحياة السياسية العربية، أن تغيراتها الكبرى تحدّدها الصراعات بين الأشخاص، أكثر بكثير مما تحددها المنافسات بين المؤسسات. أفضل مثال على ذلك كان التّضاد الشخصاني، في الفكر وفي أساليب العمل وفي المزاج، بين الرئيسين حافظ الأسد، قائد حزب "البعث" العربي في سوريا، وصدام حسين، قائد الحزب في العراق. ولقد أدى ذلك التضاد والاختلاف، من بين الكثير مما أدى، إلى قطيعة وصراع بين جناحي الحزب الواحد وإلى إضاعة فرص تاريخية للبدء العملي الواعد بتوحيد الأمة العربية وتحرير إرادتها وبناء نهضتها. أما اليوم، وقد اختفى الاثنان عن المسرح، فلا يمكن للمراقب الملتزم بمستقبل الحياة السياسية في أرض العرب، إلا أن يطرح السؤال التالي: هل يستطيع هذا الحزب أن يخرج من حالات الاختلاف والتشرذم والصراعات... ليساهم مع الآخرين في إخراج العراق وسوريا من ورطتيهما الحاليتين الخانقتين، وليلعب من ثم دوراً فاعلاً جديداً في الحياة السياسية العربية كلها؟ مبرر هذا السؤال ليس وليد أحداث الحاضر فقط، وإنما هو أيضاً، وبدرجة أكبر، وليد عقود من فراغ أيديولوجي وسياسي عربي مفجع، أضعف الساحة السياسية العربية وأفقرها. ذلك أنه فيما عدا أيديولوجية التيار الإسلامي السياسي الذاتية النابعة من تراث العرب الروحي، فإن الأيديولوجية الثانية، الذاتية أيضاً، انحصرت أساساً في الفكر القومي العربي الذي كان "حزب البعث" من بين أهمّ مؤسسيه وحامليه ومطوّريه. وتبدو أهمية وجدية السؤال بعد الضعف والانقسام والاحتضار الذي وصلت إليه كثير من التنظيمات القومية العربية الأخرى. هل نحن نجدّف ضد التيار عندما نتحدث عن بعث الحيوية والإبداع في الإيديولوجيا السياسية العربية، بينما يتحدث كثيرون عن موت الأيديولوجيا ونهاية التاريخ على مستوى العالم كلِّه؟ الجواب هو بالنّفي؛ فإذا كان الغرب لديه مشكلة مع مبادئ وتطبيقات الحداثة، والتي كانت دم ولحم أغلب أيديولوجياته المتطرفة، مثل النازية والفاشية والشيوعية الستالينية، وتفريعاتها، الأمر الذي جعله يكفر بكل أيديولوجية، فإننا لسنا ملزمين كعادتنا بتقليده من جهة ولا بالاندماج في أزماته الفكرية والسياسية من جهة أخرى. والواقع أن الغرب نفسه بدأ يدرك مؤخراً أن الحياة السياسية في النظام الديمقراطي تنقلب إلى مغامرات نفعية وصراعات مصلحية فئوية فاسدة، إذا لم تضبطها ضوابط وقيم مبدئية كبرى، والتي لا يمكن أن تتواجد وتتكامل مع بعضها بعضاً إلا ضمن أيديولوجية تقدم نفسها كأفكار وكاستراتيجيات عامة لحل مشاكل المجتمعات الكبرى. فإذا كان الغرب الذي لديه نظام ديمقراطي مستقر ومجرَّب، بدأ يدرك المخاطر التي سيتعرّض لها هذا النظام بغياب الأيديولوجيات المتوازنة المعقولة، فكيف الحال بنا نحن الذين لا زلنا في طور الانتقال البطيء والجزئي نحو الديمقراطية؟ من هنا، أهمية التذكير بأن الحركات السياسية بكل أطيافها في أرض العرب، قد أضاعت سنين كثيرة بسبب انغماسها شبه الكلي، في الممارسات السياسية اليومية وفي الصراع بين أجنحتها، الأمر الذي أنساها العمل الدائم لتطوير رؤاها الفكرية والأيديولوجية لتتلاءم مع المستجدات الهائلة في مجتمعاتها وفي العالم كلّه. وبالطبع فإن من بين تلك الحركات ما هو معني بأيديولوجية القومية العربية التي اكتفت بما وضع من أفكار واستراتيجيات منذ عقود طويلة، وهي تحتاج اليوم إلى تطوير عميق، لتسدّ فراغاً هائلاً في الساحة السياسية العربية. سنخادع أنفسنا إن اعتقدنا أن بالإمكان انتقال المجتمعات العربية إلى الديمقراطية الناضجة المستقرة، دون وجود حركات سياسية تطرح أفكاراً واستراتيجيات عامة تضبط وتقيِّم بها كل خطوة لتطبيق الديمقراطية. حدث إعدام صدام حسين، هو الذي أملى أن يكون الحديث موجهاً إلى حزب بعينه، كمثل محدد، لكن كل ما نقوله ينطبق على باقي الحركات القومية والإسلامية الحالية. وفي جميع الأحوال، لم تكن مشكلة العرب قط مع الإيديولوجيات، وإنما كانت دوماً مع تطبيقها ومطبقيها.