يستحق كوفي عنان وداعاً جيداً يليق بمقامه؛ ذلك أن الرجل كد وثابر بكل تفان وإخلاص على مدى عشرة أعوام في ما يُعد حقاً "وظيفة من نار". أعترف أنني منحاز بعض الشيء، فقد أُعجبت بـ"عنان" منذ مطلع التسعينيات، أي قبل أن يصبح أميناً عاماً للأمم المتحدة بسنوات. وعلى غرار حكومة الولايات المتحدة، رحبتُ بحلوله محل بطرس بطرس غالي في 1996؛ ذلك أن "عنان" كان الموظف الأممي الوحيد الذي كانت لديه الشجاعة لإعطاء واشنطن إشارة الضوء الأخضر لقصف الصرب. والحق أن تدخله كان وقتئذ بالغ الأهمية. من السهل أن ينسى المرءُ اليوم أن ولاية "عنان" الأولى كانت نجاحاً باهراً؛ فقد قدم الرجل مقاربة حكيمة ورحيمة؛ وأظهر نزاهة غير مسبوقة، فأمر بتشكيل لجان تحقيق في كارثتي رواندا وسريبرينيتشا، وقبل جميع الانتقادات بشأنهما، بما في ذلك الانتقادات التي وجهت له شخصياً. كان كوفي عنان ومازال مؤيداً للولايات المتحدة؛ فأصلح علاقات الأمم المتحدة بالكونجرس الأميركي؛ ونجح في إقناع الشركات الدولية الكبرى بالمساهمة في تشجيع مشاريع التنمية بالدول الفقيرة. كما وضع نصب عينيه محاربة فيروس "الإيدز". وعليه، فلا غرابة أن أُعيد انتخابه أميناً عاماً للمنظمة الدولية أواسط 2001؛ غير أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر غيّرت كل شيء؛ حيث دخل العالم– مثلما قال "عنان" نفسُه- القرنَ الحادي والعشرين من "بوابة نار". والواقع أن تلك النار مازلت متأججة إلى اليوم، ولاسيما في العراق وبلدان أخرى في الشرق الأوسط. خلافا لعنان، كنت وما أزال مؤيدا لقرار خلع صدام حسين من السلطة في العراق؛ غير أن مجلس الأمن الدولي، كان وما يزال منقسماً على نفسه إزاء الموضوع العراقي برمته. والحقيقة أنه بالنظر لواقع الأمم المتحدة، فلا أعتقد أن أي أمين عام آخر كان سيتجاوز تلك الانقسامات. من سوء حظ عنان والأمم المتحدة أن ما يزيد على 20 شخصاً من أفضل موظفيه قُتلوا بشكل وحشي في بغداد على يد تنظيم "القاعدة" في أغسطس 2003. ومنذ ذاك الوقت، تسبب هذا الهجوم، إضافة إلى الانقسامات السياسية، في إعاقة الأمم المتحدة في العراق؛ غير أن عنان كان ملحاً على أن تساهم الأمم المتحدة في تنظيم انتخابات يناير 2005 الناجحة، التي صوت فيها ملايين العراقيين بشكل حر لأول مرة في حياتهم. غير أن دور الأمم المتحدة في العراق سيزداد تعقيداً في المرحلة المقبلة، ما لم يكن قد تقلص، بسبب فضيحة النفط مقابل الغذاء. والواقع أنها كانت كارثة حقيقية؛ حيث ثبت افتقار الأمانة العامة إلى الكفاءة، وتورط بعض موظفي المنظمة في الفساد؛ كما أن استغلال صدام حسين للبرنامج مكّن الديكتاتور من الحفاظ على الاقتصاد العراقي قائماً خلال السنوات الأخيرة من حكمه المستبد. إلا أنه من الخطأ إلقاء مسؤولية كل هذه الأمور على كاهل عنان، ذلك أن أعضاء في مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً فرنسا وروسيا والصين، ساهموا جميعهم في فساد البرنامج لأهدافهم الخاصة. بل حتى الولايات المتحدة وبريطانيا غضتا الطرف عن خرق العقوبات عندما كان ذلك يصب في مصلحة حليفتهما الأردن. لقد حاول عنان جاهداً إصلاح نظام الأمم المتحدة؛ ولكنه حقق نجاحاً دون ذلك الذي كان يطمح إليه؛ حيث وضع مخططَ إصلاح معقد في الربيع الماضي سرعان ما أُقبر في المهد من قبل "مجموعة 77" التي تمثل الدول النامية، بالرغم من أنه كان يحظى بدعم جون بولتون، سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة، وموافقة مجلس الأمن الدولي. والحقيقة التي لا مراء فيها هو أن الكثير من السفراء والرؤساء كانوا يخشون فقدان الكثير من وظائف "أقاربهم" في المقاعد الوثيرة للأمم المتحدة. وكان من نتائج ذلك أن أُصيب عنان بالإحباط؛ غير أن الخطأ ليس خطأه. واجه "عنان" ما لا يحصى من المشاكل التي لا يراها الجمهور. فقد ذُهلت، أثناء مرافقتي له في عدد من الزيارات عبر العالم، لعدد المكالمات الهاتفية الدولية التي كان يتلقاها يومياً من زعماء يطلبون مساعدته لحل عدد من المشكلات والنزاعات. واللافت أنه كان يتعامل مع هذه الطلبات بكثير من الهدوء والاهتمام على نحو يبعث على الإحساس بالثقة والاطمئنان. إلا أن دارفور شكلت محنةً حقيقية لعنان خلال السنتين الماضيتين؛ فقد كنت مرافقا له في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في نوفمبر الماضي حين كان أعضاء مجلس الأمن "الخمسة الدائمين" مجتمعين؛ وكان يرغب كثيراً في الحصول على موافقتهم من أجل إرسال قوات أممية لحفظ السلام إلى دارفور لوقف جرائم القتل الجماعية والتطهير العرقي التي تشجعها الحكومة السودانية. ولكن بعد يوم طويل من المفاوضات، ارتفعت الآمال وساد الاعتقاد بأن السودان قد وافق أخيرا على مخطط عنان، غير أنه تبين لاحقاً أنها كانت حيلة ليس إلا؛ حيث سرعان ما أعلن الرئيس السوداني عمر حسن البشير أنه لن يقبل بأمر من هذا القبيل. يضع الملايين من الأشخاص عبر العالم أملهم في الأمم المتحدة؛ غير أنها كثيراً ما تخيب آمالهم. والحال أنها تقوم بأمور أساسية، غير أن ثمة الكثير مما لا تستطيع أن تقوم به، كما أنها لا تخلو من نفاق ومحسوبية. إنها تعكس في الوقت نفسه فظائع العالم ومحاولات تطويق هذه الفظاعات. وقد تعاطى عنان مع هذه المشكلات بكثير من المهارة والصبر والاحترام مقارنة مع أي أمين عام أممي خلال العقود الأخيرة. ولذلك، فإذا لم يتمكن من خلق المنظمة الإنسانية والفعالة والمُصلَحة والمحترمة التي كان يسعى إلى خلقها، فإنما بسبب العدد القليل جداً من أعضائها الذين يرغبون في أمر من هذا القبيل. ويليام شوكروس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مؤلف كتاب "الحلفاء: لماذا اضطر الغرب لخلع صدام؟" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"