دعنا نتناول هنا مآثر الرئيس "فورد" من ثلاث زوايا. وأبدأ حديثي عنه كشخصية وإنسان. فلطالما أعجبت به مثل كثيرين غيري لا حصر لهم. فقد خدم بلاده ودافع عنها في زمن الحرب، واستمر زواجه من نفس المرأة التي بدأ معها مشوار حياته على مدى 58 عاماً، ربى خلالها أربعة أنجال. وفي كل ما قرأت من عزاءات كتبت عنه، لم أجد انتقاداً واحداً وجه إليه كشخص وإنسان. وما أندر النجاة من سياط النقد في هذه الحالات، خاصة حين يكون الشخص المعني بالكتابة هو من تربع في أوج الحياة السياسية وقمة هرمها. أما الزاوية الثانية التي نتناول منها شخصية "فورد" فهي الناحية التاريخية، أي كونه شخصية تاريخية. ومن هذه الناحية، فإنه يبدو رئيساً هامشياً في التاريخ الأميركي. ذلك أن المؤرخين سوف يذكرون سلفه ريتشارد نيكسون، كما سوف يذكرون خلفه رونالد ريجان، الذي تولى منصبه في البيت الأبيض، في عام 1980. أما "فورد" فلن يذكره المؤرخون إلا لكونه تمكن من تطهير وتنظيف المكتب البيضاوي مما لحق به من عار وفساد فضيحة "ووترجيت". غير أن هذه الهامشية الشكلية البادية على دور "فورد" التاريخي، إنما تفضحها الصحافة وطريقة تناولها لأحداث تلك المرحلة على غرار الضد والنقيض دائماً، بمعنى ألا تذكر الشيء إلا بضده. فما عرج الكتاب والصحفيون يوماً على أحداث وملابسات تلك الفضيحة، وأطروا على أداء "فورد" ودوره في تنظيف ما خلفته وراءها بين جدران المكتب البيضاوي، إلا وذكروا بالضرورة، كم كان "نيكسون" سيئاً وملوثاً اسمه بتلك الفضيحة المدوية. لكن وعلى الصعيد الخارجي، فقد لحقت الهزيمة بالولايات المتحدة في حرب فيتنام أخيراً في عهد "فورد"، بينما لم يزد ما قدمه على الصعيد الداخلي عن مجرد الشعارات، في الوقت الذي استشرى فيه التباطؤ التضخمي في كل مفصل من مفاصل الاقتصاد الأميركي، وبلغت البطالة أعلى معدلاتها منذ عقد الثلاثينيات. وكان حينها الركود المرتبط بالتضخم قد وسم المرحلة الأخيرة السابقة لانهيار نموذج الاقتصاد المالي القائم على الضرائب والإنفاق، وهو النظام الموروث عن "نيو ديل"، غير أنه لم يكن في وسع "فورد" ومستشاريه، الوعي بتقادم ذلك النظام الذي عفا عليه الزمن. ومن أسف أن الرئيس الأميركي الثامن والثلاثين، لم يكن من طراز ذلك القائد القادر على إحداث التحولات الكبرى، والتصدي للمعضلات والتحديات الكبيرة التي فرضها عليه زمانه. وغني عن القول إنه كان على تلك التحديات أن تنتظر الحل، حتى لحظة صعود خلفه رونالد ريجان إلى سدة الحكم. وقد تمكن هذا الأخير من حقن المؤسسة السياسية الأميركية بأفكار رائدة جديدة، سواء ما تعلق منها بمبادرته الدفاعية الاستراتيجية، التي استهدفت التصدي للخطر السوفييتي، أم سياسات خفض الضرائب، وتعزيز الأنشطة الاقتصادية الجانبية، بغية حفز روح الاستثمار والادخار في المواطنين الأميركيين. وقد أحدثت كل تلك الأفكار والمبادرات، تغييرات هائلة في طرفي معادلة السياسات الداخلية والخارجية الأميركية وقتئذ. وليس أدل على ذلك من أنها أدت لانهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية المطاف، في مقابل صعود القطب الأميركي الأوحد. بعبارة أخرى، فقد تم استبدال النسخة "الجمهورية"، التي أنتجتها سياسات "فورد" بنسخة أخرى من سياسات خلفٍ "جمهوري" له، هو رونالد ريجان. وهنا أصل إلى الزاوية الثالثة والأخيرة من تناولي لشخصية الرئيس الراحل الثامن والثلاثين. فقد أصدرت عنه "نانسي" أرملة الراحل ريجان، بياناً في رثائه، عبرت فيه عن ميل لربط شخصيتها وزوجها الراحل به وبأسرته. واستهلت "نانسي" بيانها ذاك بالقول:"طالما اعتبر "روني" وشخصي، الرئيس الراحل "فورد" صديقاً عزيزاً، وحليفاً سياسياً لنا". لكن وعلى طلاوة هذا الكلام وحلاوته، إلا أنه يعكس حقيقة العداء السياسي المستحكم بين القائدين "الجمهوريين" الراحلين. جيمس بنكرتون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"