في اعتراف ضمني بأن العقوبات التي فرضها مجلس الأمن أواخر شهر ديسمبر الماضي على إيران هي أضعف من أن ترغمها على التخلي عن تطلعاتها النووية، أقدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون على وضع استراتيجية جديدة ترمي إلى الرفع من الضغوط المالية والنفسية على إيران. وتسعى الخطة الجديدة إلى استخدام لغة القرار الأممي لإقناع الحكومات الأجنبية والمؤسسات المالية بقطع تعاملاتها مع الشركات الإيرانية، فضلاً عن الأشخاص المرتبطين بالبرنامج النووي الإيراني، وهو ما يعني امتداد القطيعة تلقائياً إلى وحدات "الحرس الثوري" الإيرانية، حسب ما أفاد به "ستيوارت ليفي" وكيل وزارة الخزانة لشؤون مكافحة الإرهاب والاستخبارات المالية. ويأتي هذا التركيز على "الحرس الثوري" لما يُعتقد بأنه يشكل القاعدة الأساسية التي يعتمد عليها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، فضلاً عن المعلومات التي تشير إلى أن الحرس "الثوري" بدأ يتوجه في الآونة الأخيرة إلى إجراء صفقات تجارية تدر عليه أرباحاً كبيرة تساعده في بسط نفوذه مستفيداً من العقود الحكومية مثل بناء المطارات ومشاريع البنية التحتية الإيرانية، إضافة إلى الاستفادة من تراخيص الهاتف الجوال. وأكد مسؤولون في إدارة الرئيس بوش، رفضوا الكشف عن هويتهم، أن واشنطن ستبعث في القريب مبعوثين لها إلى الخارج للضغط على المسؤولين في الحكومات الأجنبية والبنوك للتعامل مع القرار الأممي على نحو أكثر حزماً وتوسيع مقتضياته لتشمل عقوبات مالية وتجارية تطبق على جهات إيرانية نافذة. وترتكز الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة على الجهود الحثيثة التي انخرطت فيها وزارة الخزانة الأميركية طيلة الأشهر الأخيرة والرامية إلى إقناع البنوك الغربية على الحد من تعاملاتها المالية واستثماراتها في إيران. وقد نجح المسؤولون الأميركيون، في هذا السياق، في إقناع بعض المؤسسات المالية الأوروبية بوقف تعاملاتها مع جهات إيرانية مثل "كريديت سويس" و"يو.بي.إس" اللذين تعهدا بعدم التعامل مع إيران. لكن بالرغم من الإجراءات العقابية التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها على إيران ضمن استراتيجيتها الجديدة، من الصعب تقييم نتائجها في ظل التعاملات المحدودة أصلاً التي تربط البنوك الأميركية والأوروبية مع إيران. وبينما تمتلك الولايات الأميركية قوانين تمكنها من معاقبة المؤسسات المالية التي تتعامل مع إيران، لا تتوفر أوروبا على قوانين مشابهة ما يزيد من تعقيد الوضع. ومع ذلك أبدت بريطانيا استعدادها الكامل للانخراط في الاستراتيجية الأميركية في سياق عقوباتها المالية، وكذلك فرنسا وإنْ بدرجة أقل. ولا يبدو أن ألمانيا التي تربطها علاقات اقتصادية واسعة مع إيران متحمسة للمشاركة في الاستراتيجية الأميركية الجديدة لمعاقبة طهران. ورغم الاعتماد الكلي للاقتصاد الياباني على النفط القادم من منطقة الخليج العربي، فضلاً عن عدم انتسابها إلى مجلس الأمن كعضو دائم، فإن المسؤولين في الحكومة اليابانية أبدوا استعدادهم للحد من تعاملاتهم المالية والتجارية مع إيران. ففي الشهر الماضي أعلن البنك الياباني للتعاون الدولي بأنه لن يمنح أية قروض جديدة لتمويل المشاريع الإيرانية حتى تحل أزمتها النووية مع الغرب. والأكثر من ذلك خفضت اليابان من حجم مساهمتها الأولية في مشروع تطوير أحد حقول النفط الرئيسية في إيران من 75% إلى 10% بسبب برنامجها النووي. وفي الوقت الذي يناقش فيه المسؤولون الأميركيون ما يمكنهم القيام به لإقناع روسيا والصين بالانضمام إلى الاستراتيجية الجديدة، لا يبدو أن هذين الأخيرين مستعدان للذهاب أبعد مما وصلا إليه في القرار الأممي الأخير، حيث جاهدت موسكو لإبقاء العقوبات في حدودها الدنيا وتحديد لائحة الأشخاص والمؤسسات الواقعة تحت دائرة العقوبات. لكن "ستيوارت ليفي" وكيل وزارة الخزانة الأميركية، ذكر بأن القرار الأممي وضع خطاً أحمر على ثلاث شخصيات إيرانية لا يمكن استثناؤهم من العقوبات، أو التعامل معهم في إطار أي صفقة تجارية يشرفون عليها بأنفسهم. والثلاثة كما أشار "ليفي" هم الجنرال يحيى رحيم صفوي، قائد الحرس "الثوري" الإيراني، والجنرال حسين سليمي، المكلف بسلاح الجو في "الحرس الثوري"، ثم "أحمد وحيد داستجيردي" مدير الصناعات الفضائية الإيرانية. وهكذا تم توسيع القرار الأممي الأخير الذي يفرض عقوبات على إيران لتشمل التعاملات الاقتصادية والصفقات التجارية التي تعقدها الحكومات والمؤسسات المالية الخاصة مع مسؤولين إيرانيين مرتبطين مباشرة بالبرنامج النووي. وأضاف "ليفي" تعليقاً على الاستراتيجية الجديدة للعقوبات "يعتبر القرار الأممي الأخير خطوة متقدمة لدفع الحكومات والمؤسسات المالية للانتباه أكثر إلى الممارسات الإيرانية والتوقف عن التعامل مع رموز "الحرس الثوري". ويرى مراقبون أميركيون أن اعتقال دبلوماسيين إيرانيين في العراق يخدم الاستراتيجية الجديدة الرامية إلى تضييق الخناق على طهران. فقد تم اعتقال الدبلوماسيين الإيرانيين للاشتباه في تورطهم في تهريب مواد متفجرة داخل العراق تستخدم لاستهداف القوات الأميركية، وذلك رغم احتجاج إيران على اعتقال دبلوماسييها لما في ذلك من انتهاك للأعراف الدولية في هذا المجال. وحسب مسؤول أوروبي يعتبر اعتقال دبلوماسيين إيرانيين "ضربة نالت من ثقة الإيرانيين بأنفسهم". وحتى قبل بدء تطبيق العقوبات التي نص عليها القرار الأممي أدركت إيران حجم المشكلة التي تواجهها في ظل تباطؤ الاستثمارات الأجنبية في قطاعها النفطي الذي يعاني من عجز في قدراته التكريرية. فإيران مازالت تستورد 43% من احتياجاتها من البنزين رغم توفرها على حقول نفط هائلة بسبب تراجع قدرتها على معالجته. وفي اعتراف نادر بالصعوبات التي تواجه صناعة النفط الإيرانية أكد "كازم وزيري هامانيه"، وزير النفط الإيراني في تصريح أدلى به إلى وكالة الأنباء "شانا" بأن "البنوك الدولية والممولين الخارجيين خفضوا من مستوى تعاونهم معنا"، وهو ما يطرح تحديات كبرى أمام إيران. هيلين كوبر وستيفين ويزمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محررا الشؤون الخارجية في "نيويورك تايمز" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"