بينما تواصل الولايات المتحدة حربها في العراق دون أن يبدو لها نهاية وشيكة، لا بد وأن كل فرد منا يشعر بامتنان عميق تجاه هؤلاء الرجال والنساء الشجعان في القوات المسلحة الذين احتفلوا هذا العام بعطلة أعياد الميلاد في العراق وقلوبهم تهفوا إلى أرض الوطن حيث الأحبة والأصدقاء. لكن من الضروري أيضاً، لا سيما خلال السنة الجارية، أن نتأمل تكلفة بشرية أخرى تسببت فيها الحرب، وهي فرار مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال العراقيين الأبرياء من بيوتهم، وكثير من الأحيان من بلدهم هرباً من العنف المستشري في العراق. وفي هذا الإطار، تبرز معضلة اللاجئين عامة كوصمة عار تشير بوضوح إلى القسوة التي تميز عالمنا، لذا فقد حان الوقت لمعالجتها والكف عن تجاهلها. أما في حالة العراق، فالولايات المتحدة تتحمل مسؤولية كبيرة إزاء ما يعانيه اللاجئون في المنافي بعيداً عن وطنهم، ما يحتم علينا وضع خطة للتعامل مع اللاجئين وحل أزمتهم المستفحلة. وبالنظر إلى تعاظم مشكلتهم في الجوار العراقي وتعدد المشاكل التي يرزحون تحت نيرها، لم يعد ممكناً التباطؤ أكثر في التصدي لمعاناتهم بسرعة وفعالية. ففي عراق اليوم تم تهجير أكثر من 1.6 مليون مواطن من بيوتهم خوفاً من العنف الطائفي الضارب بأطنابه في جميع أنحاء العراق، إضافة إلى خروج 1.8 مليون عراقي خارج البلد بسبب أعمال العنف والتهديد بالقتل الذي يتعرضون له من قبل الميليشيات المختلفة التي تجوب العراق دون رادع. وهكذا برز وضع بالغ التعقيد في ظل نزوح 700 ألف عراقي على الأقل إلى الأردن، و600 ألف إلى سوريا، و100 ألف إلى مصر، فضلاً عن 54 ألفا إلى إيران و20 ألفا إلى لبنان. وهؤلاء لا يعيشون في مخيمات للاجئين كما جرت العادة، بل يستقرون في البلدان التي استضافتهم داخل المدن، حيث يعيشون على مواردهم الشحيحة لتوفير المستلزمات الأساسية من المأكل والمسكن، فضلاً عن اعتمادهم على المساعدات التي تقدمها لهم حكومات البلدان المضيفة. بيد أن الدول المجاورة للعراق التي استقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين العراقيين تعاني هي الأخرى من إكراهات مادية متنامية جراء الاحتياجات المتصاعدة للاجئين. ففي الأردن مثلاً يشكل اللاجئون العراقيون 10% من إجمالي السكان، أي ما يعادل 30 مليون لاجئ يفد إلى الولايات المتحدة. ولم تعد تلك الدول في ظل الضغوط المتواصلة على مواردها المحدودة قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للاجئين والتخفيف من معاناتهم. وهكذا شرعت الدول المعنية بإغلاق حدودها في وجه النساء والأطفال الهاربين من جحيم العراق، متسببة في بقاء عدد من العراقيين ليواجهوا مصيرهم المجهول وسط العنف الذي يهدد حياتهم كل يوم ما ينذر بقرب اندلاع كارثة إنسانية مهولة في العراق إذا لم يتم تدارك الوضع الحالي ووقف الاقتتال الطائفي الجاري حالياً. وقد أكد التقرير الأخير للجنة دراسة العراق بأنه إذا لم تسارع أميركا إلى حل أزمة اللاجئين الناشئة عن الحرب فإن "العراق ودول الجوار ستغرق في أجواء من عدم الاستقرار وتغرق في أزمة إنسانية مستفحلة". ومع الأسف، وعلى غرار باقي المشاكل في العراق مثل تنامي خطر حركة التمرد واحتياجات القوات الأميركية إلى المزيد من الآليات المصفحة، فشلت الإدارة الأميركية مرة أخرى في إدراك الحجم الحقيقي لمعضلة اللاجئين والمبادرة إلى صوغ سياسة قادرة على معالجتها. وفي هذا السياق تبرز الحاجة الماسة لمضاعفة أعمال الإغاثة من جهة، ومنح العراقيين فرص الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة من جهة أخرى. ذلك أن أميركا لم تستقبل في العام الماضي سوى 202 من اللاجئين العراقيين، وتعتزم أن تستقبل نفس العدد في السنة المقبلة، وهي جهود لا تكفي أبداً للتخفيف من معاناة العراقيين ما يحتم على الولايات المتحدة وباقي الدول تقديم إسهام حقيقي لاستيعاب اللاجئين الجدد. وتزداد مسؤولية أميركا وضوحاً في ظل التهديدات التي يتعرض لها الكثير من العراقيين بسبب عملهم مع القوات الأميركية في العراق ونعتهم من قبل الميليشيات بالخونة ما يعرض حياتهم لخطر حقيقي. ورغم إدراك الولايات المتحدة لمسؤوليتها، فإنه لا يوجد إلى حد اليوم سوى برنامج متواضع أجازه الكونجرس يقضي باستقبال خمسين مترجماً من العراق وأفغانستان كل سنة من دون الاهتمام بمصير باقي الأشخاص الذين ساعدوا بطريقة، أو بأخرى القوات الأميركية على الاستقرار في بلاد الرافدين. وإذا كانت النفقات العسكرية الأميركية في العراق قد وصلت إلى 8 مليارات دولار، فهي بالكاد تلتفت إلى الأزمة الإنسانية المتفاقمة في البلاد والمعاناة التي يعيشها اللاجئون في الدول المجاورة، حيث لا تتجاوز نفقات وزارة الخارجية على القضايا الإنسانية 20 مليون دولار خلال السنة المالية الجارية. بيد أن الولايات المتحدة التي تتحمل المسؤولية الكبرى لما يجري لا تستطيع بمفردها تولي مهام رعاية اللاجئين ومعالجة مشاكلهم المتفاقمة، بل لا بد من تضافر جهود جميع الفرقاء من دول الجوار والدول الأوروبية بالنظر إلى حجم الصعوبات والعدد الكبير للاجئين الذين غادروا العراق. وفي هذا الصدد تبرز إمكانية عقد مؤتمر إقليمي حول موضوع اللاجئين العراقيين يضم دول الجوار بالإضافة إلى الولايات المتحدة للنظر في معضلتهم والبحث في الحلول الكفيلة بإخراجهم من وضعهم الهش. وحتى تبرهن أميركا على صدق نواياها وتعطي النموذج لباقي الدول كي تتحمل جزءا من الأعباء لا بد لها من قيادة جهود مساعدة اللاجئين دون إبطاء. إدوارد كنيدي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سيناتور أميركي من ولاية ماساتشوسيتس ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست