بين حين وآخر أدعى لمؤتمر إسلامي فأصاب بخيبة أمل، ومنها ذلك الذي دعيت إليه في "لافال" بكندا، وكان المؤتمر كالعادة مزينا ببعض المفكرين غير الإسلاميين، على شكل ديكور فاضح، حتى يمنحوا لأنفسهم صفة التسامح والتعددية، حسب الموضة الجارية. وما لحقني من أذاهم، أن بدأ القوم ينشرون الإشاعات، أن زوجتي داعية اللاعنف ليلى سعيد، تدعو لصلاة مختلطة تشبه حفلات رقص الغربيين، فيتأبط ذراع كل امرأة رجل في الصلاة، في شكل جد درامي و(لا شرعي). أعقب ذلك الهجوم هجوم آخر أنني أدعو إلى أمر تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً؛ أي أنني وصفت الدولة الإسلامية بأنها خرافة كبيرة، وأنا لا أتبرأ من هذه التهمة، إن صح كونها تهمة؟ فبعض الظلم في التاريخ كان تحت اسم الدولة الإسلامية، ونجادي في طهران و"ضعيف" في أفغانستان مثَّلا دولتين مفعمتين بالظلم؛ "طالبان" وإيران. وكل ما دعت له ليلى سعيد هو أن تأخذ المرأة مكانها، فلا يرسو مصيرها بين الأطفال، في زاوية خلفية مهجورة باردة، بين الأحذية، بينها وبين مجالس العلم أسوار بعد الأسوار... فلا تسمع إلا همساً، ولا تشارك إلا على حياء... وهو الذي قتل العالم العربي وما يزال بعزل المرأة ووأدها، الخفي الظاهر؟! ويوماً بعد يوم ينتابني ذلك الشعور الذي يقول إن أوساط غير المتدينين تتقبلني أكثر، وأوساط المتدينين تحذفني، لأن العقل حذف منها، وتخشى من "الفولتاج" النقدي في أفكاري، فلا تستقبلني إلا مجاملة، وطردت من جناتهم أكثر من مرة، في أكثر من منبر، كما حدث معي في جريدة أجرت مقابلة معي فكان آخر عهدي بها... وأنا أكتب كل مقالة كتابة مودع، بما في ذلك هذه المقالة التي تنشر في هذا العدد من الجريدة، مع خبر شنق صدام، والذي ضحوا به يوم العيد، كما ضحى زياد ابن ابيه بالجعد بن درهم، وقال أيها الناس إنكم اليوم مضحون، وأنا اليوم مضح بالجعد بن درهم، فنزل من المنبر ونحره، فهذه هي ثقافة العراق الدموية، بفرق أن الجعد كان صاحب مدرسة فكرية، وصدام للقتل خلق، وجرى التوقيت في عيد الميلاد، حيث يعم السلام، وفي أول يوم عيد أضحى، وهو يحمل الترميز بالكف عن التضحية بالإنسان... ولكنه العراق، أرض الدم والثأر والحرب الأهلية. إن مشعر النضج هو تحمل النقد الذاتي، ولذا كانت مؤتمرات الإسلاميين واجتماعاتهم مجالس طرب خاصة، بأنغام شتى من الاتهام والغرام والنشيد والانتفاخ وآخرها عمليات السحر والغيبوبة. يقوم فيها الخطيب الأول بكيل التهم لشياطين الأنس والجان، من مردة المخابرات العالمية وأذاها، والصهيونية ومكرها، والصليبية وأشياعها، والماسونية ومخططاتها، والعلمانيين وتدبيرهم. ثم يكمل الخطيب الثاني مدح الإسلام، وأنه أعظم نور جاء إلى العالم، في الوقت الذي يتخبط المسلمون في دياجير الظلام، ظلمات بعضها فوق بعض. ثم ينطق الثالث بحديث أشبه بهذيان محموم؛ فيتحدث عن فواكه الجنة ورؤية الله في الآخرة، في الوقت الذي يذوق المسلمون الفلق على يد المخابرات، ويرى الفروع الأمنية عن اليمين والشمال سجداً للشيطان وهم داخرون. ولا تخلو مجالس الطرب من صنفين إضافيين: الأول الوعاظ الشعبيون؛ مثل الأطباء الشعبيين الذين ينقصهم التأهيل المهني، الذين يلهبون المشاعر بمخيلة جياشة، عن مسلمين يتسلقون جدران دمشق بالسيوف فيحتلونها، ويعتلون أسوار القسطنطينية بالمهند الحسام فيفتحونها بالتكبير والتهليل... في الوقت الذي يفتح فيه العراق بالتوماهوك، وأفغانستان بصواريخ البلطة، ويُحصد جنود المهدي والتعايشي بـ"المشين جن" على يد "كيتشنر" وأشياعه. ويطلب الأتراك العثمانيون بإلحاح ولهفة أن يفتحهم الأوروبيون، فيشترط هؤلاء نجاة رقبة أوجلان الكردي بعد أن تدلى فوق رأسه حبل المشنقة فكان قاب قوسين أو أدنى. وهو بهذا ينقلهم لعصر عمر بن الخطاب، لا يعيشونه ولايقدرون، في مناظر لا تقترب من روح الإسلام ولا تمثله. أما النوع الثاني فهو ذلك الانتفاخ الأهوج من إحضار شخصيات تلعن أميركا وإسرائيل وتبحث عن عورات الغرب، والمسلمون لا تنقصهم عورات ومثالب، ولن تحَل مشاكلهم بالبحث عن عيوب الآخرين، بل الاستفادة مما عند الآخرين من إيجابيات... ومن أعجب العجاب في هذه المؤتمرات أن يبيع كاتب غربي مثل "روبرت فيسك" و"زيغريد هونكه" الألمانية وسواهما، آلاف النسخ من كتبه، تتحدث عن سطوع شمس العرب على الغرب، في وقت تحف بها الظلمات والمصائب من كل جانب، فيصبح مخدراً رائعاً لعدم ممارسة النقد الذاتي، ويرضي غرور المسلمين، باقتراب أجل أميركا وإسرائيل، في الوقت الذي يحصد الرجل مزيداً من السمعة، وامتلاء الجيب من الدولارات، من كتبه التي يبيعها للمغفلين من المسلمين الذين يزينون بكتبهم الرفوف المملوءة بكتب التراث، أكثر من قراءتها فضلا عن نقد السموم الواردة فيها. فإذا أضيف إلى الكارثة، إعلان إسلام امرأة أو رجل هلل المؤتمرون للفتح المبين، إذ أن عدد المسلمين من مليار وربع، زاد إنساناً من نفس الثقافة الميتة؟!