قبل احتفالات أعياد الميلاد مباشرة، وفي مطعم فاخر من المطاعم الأذرية في العاصمة الروسية موسكو، أعدت السفارة الألمانية لقاءً بين الصحفيين وبين ممثلي مجموعتين من مجموعات حقوق الإنسان المستقلة. وقد جاء هذا اللقاء في وقته تماماً خصوصاً إذا ما علمنا أن كريملين الرئيس فلاديمير بوتين قد حاول دائماً أن يحد من أنشطة المنظمات غير الحكومية، بعد أن نجح في تكميم أفواه وسائل الإعلام وخصوصاً العاملة في مجال الأخبار. غير أن ألمانيا وهي الدولة التي تحتفظ بأقوى علاقات مع روسيا من بين دول الاتحاد الأوروبي وجدت نفسها مضطرة إلى الاشتباك مع هذه الموضوعات، ومع الموضوع الأهم وهو العلاقات الأوروبية- الروسية بوجه عام، وذلك بعد أن تولت رئاسة الاتحاد الأوروبي وقيادة مجموعة الدول الثماني الكبرى اعتباراً من الأول من يناير الجاري. يذكر أن فترة حكم بوتين قد شهدت سن قانون جديد يلزم مجموعات حقوق الإنسان بتسجيل نفسها في سجل خاص، وتقديم بيان مفصل عن كافة الأنشطة التي تقوم بها داخل روسيا، وكذلك مصادر تمويلها. وقد أدى تطبيق ذلك القانون إلى حظر نشاط بعض تلك المجموعات، وإلى استمرار جماعات أخرى في العمل ولكن تحت تهديد قيام السلطات الروسية بإيقاف نشاطها في أي وقت. وحول ذلك يقول "إليكسندر بيتروف" نائب مدير منظمة "هيومان رايتس ووتش" فرع موسكو: "صحيح أنه بإمكاننا العمل، وصحيح أننا لسنا موضوعين تحت المراقبة والرصد، ولكن المشكلة تكمن في الطريقة التي يتم بها النظر إلينا وكأننا عملاء أميركيون". ويقول مسؤولو منظمات حقوق الإنسان الروسية إن المضايقات التي تقوم بها السلطات ضدها في موسكو لا تعد شيئاً بالمقاربة مع الانتهاكات التي تمارسها تلك السلطات خارج العاصمة. ويؤكد هؤلاء المسؤولون أنهم يجدون صعوبة كبيرة في جمع المعلومات الكافية حول تلك الانتهاكات وخصوصاً في الشيشان وغيرها من المناطق غير المستقرة في روسيا، وذلك بسبب الخوف المتزايد الذي يشعر به الأفراد الذين كانوا يقومون بتقديم تلك المعلومات من قيام السلطات الروسية بالانتقام منهم. علاوة على ذلك فإن الأحزاب والجماعات المعارضة والسياسيين المستقلين المناهضين لحكم بوتين أصبحوا يتعرضون لمزيد من الضغوط والترهيب من جانب السلطات الروسية. لذلك فإن حركة المجتمع المدني في روسيا تتطلع إلى ألمانيا باعتبار أنها تحتفظ بعلاقات هي الأوثق مع الكرملين وهو ما يمكنها من مناقشة الموضوع مع السلطات الروسية لتخفيف قبضتها على المجتمع المدني. و"الديمقراطيون المسيحيون" و"الديمقراطيون الاشتراكيون"، الذين يشكلون حكومة الائتلاف التي تقودها المستشارة أنجيلا ميركل لديهم نهجان مختلفان تماماً بشأن الطريقة التي يجب على ألمانيا أن تتعامل بها مع روسيا. وقد أدى ذلك إلى عدم وضوح سياسة ألمانيا تجاه روسيا التي يمكن وصفها بأنها سياسة مشوشة على أفضل تقدير. يُشار في هذا السياق إلى أن المستشارة الألمانية "الديمقراطية المسيحية" قد اتبعت نهجا أكثر انتقادية نحو الكرملين من ذلك الذي كان يتبعه سلفها في المنصب جيرهارد شرودر "الديمقراطي الاشتراكي"، حيث كان شرودر ينظر إلى بوتين على أنه رجل لا غبار على قوته، وأنه قد ساعد على إعادة النظام والقانون إلى روسيا بعد سنوات الفوضى التي عاشتها تحت حكم الرئيس السابق بوريس يلتسين. وأن المفروض ألا تحاصر روسيا في ركن بشأن سجلها في حقوق الإنسان، وأن روسيا تحتاج إلى وقت، وإلى صبر من أوروبا لأنه لا تكاد يوجد لديها تقاليد ديمقراطية.. ولكن السيدة ميركل غير مقتنعة بمثل هذه الحجج، وفضلت اتباع نهج تصادمي في التعامل مع موسكو كما يستدل على ذلك من موقفها الذي يتميز بالصراحة التامة مع بوتين في الاجتماعات العامة والخاصة التي ضمتهما. وهي ترى أنه لا يجوز التساهل مع موسكو إذا ما أريدت المحافظة على القيم الغربية، وإذا ما أريد لتلك القيم أن يكون لها دور في حركة المجتمع المدني في روسيا. وعلى الرغم من ذلك فإن وزارة الخارجية الألمانية تتخذ كما يبدو نهجاً في التعامل يختلف عن تلك الذي تتخذه مركيل. ويرجع السبب إلى أن وزير الخارجية الألماني الحالي هو "فرانك والتر شتاينماير" كان يعمل مديراً لمكتب المستشار الألماني السابق شرودر، وهو ما مكنه من معرفة كل اللاعبين الرئيسيين في الكرملين. وهو يعمل على مواصلة النهج الذي كان يتبعه مستشاره السابق مع روسيا، على الرغم من أن هذا النهج يختلف مع ذلك الذي تتبعه المستشارة الحالية. والحقيقة أن الخلاف في نهج التعامل بين المستشارية وبين وزارة الخارجية لا يرجع فقط إلى أسلوب العمل المختلف ولكنه يرجع كذلك لأسباب إيديولوجية. فمن المعروف أن "الديمقراطيين الاشتراكيين" هم الذين يسيطرون على وزارة الخارجية، وأنهم لا يزالون حتى الآن يؤمنون بسياسة حل الخلافات مع الدول الأخرى عن طريق "التقارب والوفاق"، وأن هذه السياسة هي الكفيلة بتقريب روسيا من ألمانيا ومن أوروبا، ليس من الناحية الاقتصادية فقط، ولكن من ناحية القيم أيضا. أما منظمات حقوق الإنسان العاملة في روسيا فترى أنه بصرف النظر عن الخلاف في الأيديولوجيا وأسلوب العمل بين وزارة الخارجية وبين المستشارية الألمانية،فإنه سيكون من الأفضل أن يستمع الاثنان إلى شكاوى منظمات حقوق الإنسان العاملة في روسيا نفسها، الذين يتسنى لأعضاء السفارة الألمانية مقابلتهم في موسكو. وتقترح تلك المنظمات أن تكون المساعدات التي تقدمها ألمانيا لتلك المنظمات معروفة وعلنية تحقيقاً للشفافية وضماناً لوصول تلك المساعدات إلى الأفراد والجهات المستحقين. ولكنهم يؤكدون أن أهم شيء بالنسبة لهم هو أن تواصل برلين توجيه الأسئلة لموسكو: "أن تسألها مثلاً: كم عدد الأشخاص الذين اختفوا وكم عدد الأشخاص المتهمين الذين حوكموا؟ مع الاستمرار في نفس الوقت في متابعة الإجراءات التي تتخذ من قبل السلطات والنتائج المترتبة عليها. وأن يتم التأكد من أنه إذا ما كانت دول أوروبا تقوم على حكم القانون، فإن نفس الشيء يجب تطبيقه هنا في روسيا". جودي ديمبسي ــــــــــــــــــــــــ مراسلة "نيويورك تايمز" في موسكو ـــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"