يمكن للمراقب، أن يلاحظ فارقاً جوهرياً بين طبيعة الحراك السياسي الذي شهدته مصر في أعقاب طلب الرئيس مبارك تعديل المادة 76 من الدستور عام 2005، ليسمح بالمنافسة على منصب رئيس الجمهورية وبين الحراك الذي تلا اقتراحه بتعديل 34 مادة جديدة بما في ذلك إعادة تعديل المادة 76. في الحراك الأول، يمكنني القول إنه جاء تعبيراً عن أشواق مكبوتة لفترة طويلة، فاندفعت القوى الحية في المجتمع تعبر عن وجودها. جاء التعبير عام 2005 مصحوباً باللهفة على تلبية الأشواق الكامنة للحرية مما أنتج حالة صاخبة مع تكوين الجماعة السياسية المعروفة باسم "حركة كفاية"، وتزايدت الحالة مع ظهور جماعات أخرى للرقابة على الانتخابات مثل "حركة شايفينكو". لقد صحب هذا ميل إلى التعبير من خلال المظاهرات والاجتماعات العامة التي يكفلها الدستور، وهو ما أزعج بعض النخب التي رأت في هذه الظاهرة الجديدة مؤشرات على نوع من الفوضى السياسية، في حين رأى الرئيس أن الحالة الصاخبة بكافة جوانبها نتاج طبيعي لقيامه بإطلاق حالة الحراك بإعلان حق التنافس على المنصب الرئاسي، واعتبرها بعض الحكماء فورة ناتجة عن رفع الغطاء فجأة عن الوعاء السياسي المكتوم لعقود، وأنها ما تلبث أن تهدأ وتكتسب طابع التعبير الهادئ المتعقل والمتدبر في شكل حوار سياسي معمق. يمكننا أن نرجح أن الأمر قد أخذ هذا الاتجاه بالفعل حيث تحولت المظاهرات السياسية إلى ندوات لتدارس القضايا السياسية، بما في ذلك قضية التعديلات المرتقبة للدستور طبقاً للبرنامج الانتخابي للرئيس. لقد جاءت في الأسبوع الماضي حالة الحراك بعد إعلان الرئيس عن تعديلاته الجديدة متسمة بطابع تغلب عليه الرزانة والاتزان والمجادلة بالتي هي أحسن، والنقاش العقلاني المؤسس على الدراسة المتأنية للقول قبل إطلاقه وللتصريح قبل إصداره.. فقد ظهر العديدون من قادة الأحزاب السياسية المعارضة على شاشات التلفزيون ليناقشوا فلسفة التعديلات في حالة باهرة من الموضوعية حيث سمعنا تقييمات متوازنة تتحدث عن الإيجابيات التي تنطوي عليها رؤية الرئيس، وفي نفس الوقت تطرح مطالب لتعميق وتوسيع نطاق هذه الإيجابيات. وإذا كان يمكن إرجاع هذه الحالة من الحراك الموضوعي، إلى دخول القوى السياسية في مرحلة النضج بعد استهلاك المشاعر الحماسية في الفورة الأولى عام 2005، فلا يمكن استبعاد التأثير الإيجابي العميق على هذه القوى المعارضة والذي نتج عن المفاجأة الكبرى في تعديلات الرئيس والمتمثلة في تأكيد مفهوم المواطنة وقيمها ومبادئها. ذلك أن هذا المفهوم قد أرخى أجنحة الاطمئنان على دعاة الاستنارة وإقامة الدولة المدنية الحديثة الذين عبروا بانتظام عن مخاوفهم من تزايد الهيمنة الدينية على قطاع من التفكير السياسي وما يمكن أن تنتجه هذه التوجهات من استبداد فكري يصادر الرأي الآخر بالشعار الديني. لقد أحدث تأكيد الرئيس على هذا المفهوم وضرورة إدراجه في نصوص الدستور، إحساساً بالراحة العامة لدى شرائح واسعة من المسلمين والأقباط على حد سواء، وعزز من هذا الإحساس توقيت صدور التعديلات. ذلك أن الأسابيع الماضية على هذه التعديلات سجلت حالة فزع بالمعنى الحرفي في أوساط النخب والأوساط الشعبية على حد سواء، نتيجة لإقدام طلاب "الإخوان المسلمين" في جامعة الأزهر على إجراء استعراض لرياضات القتال، وهم يرتدون أقنعة سوداء وملابس أقرب إلى ملابس الميليشيات المسلحة في لبنان وفلسطين. لقد أصابت هذه الاستعراضات المجتمع على اتساعه بالصدمة، ورأى فيها كثير من الكتاب نذراً خطيرة تهدد أمن المفكرين وتعيد إلى الأذهان محاولة اغتيال الأديب نجيب محفوظ، كما رأى فيها البعض الآخر تلويحاً بتحدي الدولة وإطلاق معاني الانتقال من العمل الدعوي والسياسي إلى العمل المبني على استخدام القوة. صحيح أن قادة "الإخوان المسلمين" قد استهجنوا هذا الاستعراض شبه العسكري، غير أن الناتج العام كان رفضاً عاماً لمعنى الاستعراض وضغوطاً متوالية على الحكومة لاتخاذ تدابير تحول دون تفاقم الأوضاع وانحدار مصر إلى حالة احتقان مسلح على النحو الموجود في العراق والصومال وفلسطين ولبنان. في تقديري، أن الحراك السياسي المتجدد في مصر سيكتسب نضجاً أعمق ليس فقط اطمئناناً لأهداف التعديلات الدستورية، ولكن أيضاً استفادة من دروس الصخب غير المجدي والأجراس التي تدق أسماع المجتمع بضرورة الحفاظ على أمنه واستقراره وحقوق مواطنيه.