بعد تحرير الكويت في عام 1991 ألغت الحكومة الكويتية كافة القروض الشخصية على المواطنين الكويتيين، وذلك تقديراً منها للموقف الشعبي من الغزو، وتخفيفاً عن كاهل المواطنين الذين فقدوا الكثير من ممتلكاتهم ومداخيلهم بسبب الفوضى التي سادت خلال فترة الاحتلال التي دامت سبعة أشهر. على الرغم من تعارض ذلك مع قوانين النظام الاقتصادي الذي تأخذ به الكويت ومعظم البلدان العربية، فإن ذلك شكّل في عام 1991 ضرورة موضوعية أخذت الدولة على عاتقها تحمل تبعاتها لأسباب آنية. المهم في هذه القضية أن المجتمع الكويتي فهم هذه المبادرة الرسمية بصورة خاطئة تماماً، معتقداً أن هذا التوجه، سيأخذ صورة دورية بين فترة وأخرى. ففي ندوة نظمت في "جمعية الصحفيين الكويتية" خلال شهر ديسمبر الماضي، تحدث العديد من الحاضرين بحماس شديد عن ضرورة إلغاء الديون الشخصية مرة أخرى والمقدرة بخمسة مليارات دينار كويتي (17 مليار دولار)، وهو مبلغ ضخم يفوق فائض الموازنة الكويتية في هذا العام، والبالغ 16 مليار دولار. الملفت للنظر هو غياب الوعي عند الحديث عن إلغاء القروض الشخصية، فالقروض تعد جزءاً مهماً من النظام الاقتصادي المتبع، ولا يمكن كسر قواعده بهذه السهولة التي يطالب بها المقترضون والمؤيدون لهم من أعضاء مجلس الأمة لأسباب انتخابية بحته، إذ أن هناك عواقب مالية كبيرة ستطال النظام المالي والنقدي في الكويت. كما أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، التي ستؤثر سلباً على مستويات المعيشة للسكان كافة ودون استثناء. السؤال المهم هنا: لماذا يتحمل الجميع ويدفع ثمن قرارات استهلاكية خاطئة اتخذها البعض؟ علماً بأن جزءاً كبيراً من حجم هذه القروض استغل في شراء أوراق مالية والمضاربة بها في البورصة الكويتية، إضافة إلى أن متخذي مثل هذه القرارات لن يتوانوا عن تكراراها متى ما سهلت لهم عملية السداد بانتظار دورة جديدة من المطالبات بإلغاء القروض. عملية الإلغاء فيما لو تمت ستعتبر خرقاً للنظام الاقتصادي القائم وستترتب عليها انعكاسات سلبية عديدة، أبرزها الاتكالية واستنزاف موازنة الدولة وتخفيض الاحتياطيات والاستثمارات العامة، وارباك النظام المالي والمصرفي والتأثير في كتلة النقد المتداولة وما يعقبها من ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، ففي بيانات صادرة عن بنك الكويت الوطني، أشار إلى نمو التسهيلات الائتمانية بنسبة بلغت 3.4%، مما أدى إلى نمو كبير في عرض النقد بنسبة 2.8% في شهر نوفمبر الماضي، مقارنة بشهر أكتوبر 2006. مطالب إلغاء الديون الشخصية في الكويت لا يوجد مثيل لها في العالم، وهي تعتبر أحد مكونات الإفرازات السلبية لدولة الرعاية، والتي أساء البعض فهمها بصورة صحيحة، إذ أن ما تقدمه الدولة من خدمات، لابد أن يقابله عمل منتج وجاد لتنمية الثروات الوطنية، بدلاً من المطالبة باستهلاكها في قروض شخصية. حسناً فعلت الحكومة الكويتية و"مجلس الأمة" برفض تسديد الديون العامة، وذلك حفاظاً على النظام الاقتصادي القائم ولسد الطريق أمام توجهات مستقبلية مماثلة وغير منطقية. ما اتخذ في ظل ظروف استثنائية لا يمكن أن يعمم ليصبح منهجاً ثابتاً لا يمكن لاقتصاد أية دولة تحمله مهما بلغت قدراتها المالية. ربما تكون الارتفاعات المتواصلة في أسعار وعائدات النفط وفائض الموازنة السنوية، هي ما دفع البعض لطرح مثل هذه المطالب في محاولة لاستغلال هذه الظروف المواتية من وجهة نظره. حتى بافتراض ذلك، فإن مثل هذا التوجه لابد وأن يكون ضمن النظام الاقتصادي والمالي القائم، وبما يتناسب والسياسات الاقتصادية المتبعة. كدليل على ذلك اتخذت معظم دول الخليج قرارات بزيادة الرواتب بنسب متفاوتة، حيث استفاد من ذلك الجميع، بما في ذلك المقترضون في دولة الكويت، كما اتخذت إجراءات أخرى لرفع المستوى المعيشي للمواطنين، من ضمنها زيادة علاوة الأولاد بنسبة 100% على سبيل المثال. هذه وغيرها من الخطوات التي تمت في العامين الماضيين، كانت محل تقدير ورضا الجميع، وهي تساير موجات التضخم التي تسود اقتصاديات العالم في الوقت الحاضر. ومن هنا فإن المسائل الاقتصادية، بما فيها أزمات الديون بحاجة لمعالجات علمية ومهنية بعيداً عن التصعيد والضغوط الانتخابية.