مع الإعلان الرسمي من قبل الحكومة الإثيوبية عن دخول قواتها إلى الصومال لمحاربة "المحاكم الشرعية"، بالتحالف مع حكومته المؤقتة، يكون التدخل الخارجي في السياسة الداخلية العربية قد أصبح ظاهرة تستحق التوقف عندها للمتابعة والتحليل. فلدينا الآن في الوطن العربي أربع حالات على الأقل يوجد فيها تدخل صارخ في صراعاتها الداخلية؛ هي العراق ولبنان وفلسطين والصومال، ناهيك عن حالة خامسة مرشحة لذلك في أي وقت وهي السودان، بل يمكن القول إن التدخل الخارجي لعب دوراً محورياً في تفجير بعض الصراعات السياسية الداخلية العربية أو على الأقل مفاقمتها، كما يبدو الأمر شديد الوضوح في الحالة العراقية مثلاً. ولأن التدخل الخارجي في الشأن السياسي العربي الداخلي، يمكن إذا نجح أن يؤدي إلى عواقب وخيمة من جراء إعادة تشكيل النظم السياسية العربية، بما يتسق ومصالح القوى العظمى، فإن الأمر بالتأكيد يستحق وقفة. لكي تكون الأمور واضحة منذ البداية، فإن المفهوم العلمي للتدخل يشير إلى أنه سلوك خارج عن المألوف من قبل دولة ما يتجه إلى بنية نظام الحكم في دولة أخرى، في محاولة لتعزيز تلك البنية أو تغييرها وفق مصالح القوة أو القوى القائمة بالتدخل، ولذلك فالانتقادات الموجهة من حكومة دولة لحكومة دولة أخرى لا تعد بالضرورة تدخلاً طالما أنها تتم في إطار قبول الوضع الراهن في هذه الدولة ولا تقصد المساس بنظام الحكم فيها، وقد يأخذ سلوك التدخل شكلاً عسكرياً (كما في الحالتين العراقية والصومالية)، أو سياسياً (كما هو الحال في لبنان)، أو حزمة من الأشكال السياسية والاقتصادية والعسكرية (كما في الحالة الفلسطينية). أكثر حالاتنا الأربع صراحة، هما الحالتان العراقية والصومالية، فهناك تدخل عسكري معلن وواضح هدفه إسقاط نظام (الحالة العراقية)، أو حماية نظام، وإن يكن نظاماً وهمياً (الحالة الصومالية). أما في الحالة اللبنانية فقد بدا الشكل السياسي للتدخل أكثر وضوحاً، إذ ضغطت الإدارة الأميركية وحلفاؤها من أجل إسقاط الحكومة اللبنانية الصديقة لسوريا بعد اغتيال رفيق الحريري في فبراير 2005، ونجحوا في تحقيق هدفهم، وإن كان ذلك قد تم للأمانة بـ"آليات ديمقراطية"، ثم ها هم الآن يتبنون الموقف المساند للحكومة اللبنانية الحالية في مواجهة خصومها. وإذا صح أن هناك ضغوطاً من إيران وسوريا على القوى الموالية لهما في لبنان من أجل إسقاط الحكومة اللبنانية الحالية، فإن هذا بدوره يعد تدخلاً، ولا يخفى في الحالة اللبنانية أن هناك أشكالاً أخرى للتدخل كدعم اقتصادي أو تهريب أسلحة لهذا الطرف أو ذاك. تنفرد الحالة الفلسطينية بأن التدخل الخارجي يتم لصالح أحد طرفي السلطة التنفيذية على حساب الطرف الآخر، فمنذ حصول "حماس" على الأغلبية في الانتخابات التشريعية التي جرت في مطلع هذا العام، تمارس عليها كافة أشكال الضغط الخارجي بدءاً بالحصار الاقتصادي لوضعها في موضع العاجز عن إدارة شؤون الحكم، مروراً بالدعم السياسي الواضح للرئيس في مواجهة "حماس"، من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل ومن على شاكلتهم، وانتهاءً بدعمه عسكرياً بتدريب الحرس الرئاسي وإمداده بالسلاح والبحث في دعمه بـ"فيلق بدر" الفلسطيني المتمركز حالياً في الأردن. يحدث التدخل عادة عندما يعاني المجتمع المستهدف بالتدخل من عدم استقرار سياسي داخلي يفضي إلى مناخ مُواتٍ للتدخل الخارجي، ومع ذلك فالدور الخارجي في افتعال مواقف يبدو معها أن التدخل مرغوب فيه -إن لم يكن حتمياً- أوضح من أن نتجاهله. صحيح أن العراق كان يعاني قبل الاحتلال من مشكلات تتعلق بتكامله الإقليمي كما في الحالة الكردية، لكن المؤكد أن الأهداف المعلنة لقوى الاحتلال كانت بعيدة كل البعد عن "دعم الاستقرار" الداخلي في العراق، فقد أعلنت الإدارة الأميركية صراحة أن هدف تدخلها هو إسقاط نظام الحكم العراقي وإنهاء ديكتاتوريته وسلوكه العدواني تجاه جيرانه وتدمير أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته! كذلك من المؤكد أن الاحتلال بحد ذاته يمثل السبب الرئيسي في عدم الاستقرار المتفاقم هناك، ناهيك عما أفضى إليه من تدخل إيراني صارخ في الشؤون الداخلية العراقية. لا تقل الحالة الصومالية دلالة في هذا السياق؛ فالصومال يعاني منذ تسعينيات القرن الماضي من عدم الاستقرار، وقد قاسى التمزق وسيطرة أمراء الحرب الذين تحالفوا مع الإدارة الأميركية التي لم تكن تهمها حكومة الصومال المؤقتة، فلما باشرت قوات "المحاكم الشرعية" عمليةً بدت وكأنها إعادة توحيد للصومال، تذكر البعض أن هناك "حكومة صومالية مؤقتة" لا تملك من أمر نفسها شيئاً ويدعو حالها للرثاء، فتسابقوا إلى نصرتها، وكانت إثيوبيا هي الآلية المناسبة، فوقع ما وقع. في الحالتين اللبنانية والفلسطينية، لا يمكننا إنكار أن خلافات الفرقاء المتصارعين تعود أساساً إلى عوامل ذاتية، لكن أحداً لا يدري حتى الآن ما هي أسرار جريمة اغتيال الحريري، لأنه لو صحت الرواية التي تضمنها ذلك الكتاب الألماني -الذي حوصر إعلامياً وقُبر بمجرد صدوره- لكان معنى هذا أن نقطة البداية في مسلسل عدم الاستقرار الحالي في لبنان قد تكونت بفعل عوامل خارجية أساساً حيث تشير الرواية إلى ضلوع عناصر خارجية في الجريمة. أما الحالة الفلسطينية فإنها تبدو أقرب الحالات إلى عدم الاستقرار الذاتي: خلاف في النهج بين الفصيلين الرئيسيين، "فتح" و"حماس"، أعقبه استقطاب سياسي داخلي ثم خارجي بدأ يجذب التحالفات الخارجية على النحو الذي رأينا جميعاً والذي جعل الإدارة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل حلفاء للرئيس في مواجهة حكومة "حماس". تظهر الخبرات السابقة أن مآل التدخل الخارجي يتحدد أساساً بفعل عوامل داخلية، بمعنى أن التدخل يفشل أو ينجح وفقاً لمتغيرات الوضع الداخلي، فلو كان التدخل يتم ضد حكومة أو قوة تحظى بشرعية في أوساط شعبها، فإن مآله يكون الفشل والعكس صحيح، فالشعب لا يعطي شرعية سياسية لحكومة أو قوة سياسية إلا إذا كانت معبرة عنه ومتمثلة لأهدافه ومدافعة عنها، وبالتالي تستطيع هذه الحكومة أو القوة السياسية أن تقاوم التدخل مستندة إلى تأييد شعبي حقيقي ولا يمكن هزيمتها في هذه الحالة مهما طال الصراع. أما إذا كانت الحكومة أو القوة السياسية فاقدة للشرعية فهذا يعني أن القضاء عليها حتمي، سواء بالتدخل الخارجي أو بدونه. هكذا أخفق التدخل الأميركي في فيتنام في ستينيات القرن الماضي ومطلع سبعينياته، رغم الخلل الواضح في ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة في ذلك الصراع، ويعني الإخفاق ببساطة أن نظام الحكم في فيتنام الشمالية، وكذلك "الفيت كونج"، كانا يدافعان عن استقلال الوطن في مواجهة قوة اعتبرت غازية. كذلك أخفق التدخل السوفييتي في أفغانستان أواخر سبعينيات القرن الماضي أيضاً، وللاعتبارات نفسها، أي أنه تدخل كان يدافع عن نظام حكم شيوعي غير شعبي في أفغانستان بينما كانت للمجاهدين قضيتهم. ومن ناحية أخرى نجح التدخل العسكري المصري في اليمن (1962-1967) لصالح ثورتها التي تفجرت عام 1962 ولصالح النظام الجمهوري الذي أسسته، لأن الشعب في غالبيته كان تواقاً للتخلص من نظام الإمامة. يعني ما سبق أن مصير ما يجري على أرضنا العربية من تدخلات خارجية، مرهون بإرادتنا نحن؛ أي بتصميمنا على تحقيق تلاحم داخلي ووحدة وطنية حقيقية ضد التدخل الخارجي، وليس ذلك بالأمر السهل بطبيعة الحال، فبعض المجتمعات العربية التي تتعرض الآن لتدخل خارجي صارخ، تواجه صعوبات حقيقية في تحقيق وحدتها الداخلية، لكن الأمر يستحق العناء لأن البديل هو القبول بأن يرسم الآخرون مستقبلنا وفقاً لرؤاهم أو بالأحرى وفقاً لمصالحهم في منطقتنا وأطماعهم في ثرواتنا.