سنة ضائعة في الشرق الأوسط... وعودة للمربع الأول في الصومال! الكيفية التي ضاعت بها سنة 2006 على مسار التسوية السلمية في الشرق الأوسط، وإعدام صدام حسين، ونتائج حرب الصومال الأخيرة، موضوعات ثلاثة نستعرضها ضمن جولة سريعة في الصحافة الفرنسية. عام ضائع في الشرق الأوسط: تحت هذا العنوان نشرت صحيفة لوفيغارو افتتاحية كتبها بيير روسلين، اعتبر فيها أن العام المنقضي 2006، بدأ وسط أجواء من التفاؤل في الشرق الأوسط بإمكانية حلحلة الوضع الصعب بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خاصة بعد الانسحاب أحادي الجانب الذي نفذه أرييل شارون. ولكن أشهر العام التالية مرت كلها بنفس النفق من التعقيدات والتراجعات والإخفاقات حتى انتهى العام، والوضع على أسوأ مما بدأ بين الطرفين المتصارعين. ولهذا أسباب عديدة، يمكن فهمها ويمكن تعدادها أيضاً. ففي إسرائيل جاء أولمرت خلف شارون في المنصب، دون أن تكون لديه رؤية واضحة للمسار الذي يتعين عليه سلوكه، كما أضعفته فيما بعد حربه الفاشلة في لبنان. وزاد الأمور سوءاً تردي الوضع في العراق، واحتدام الأزمة اللبنانية، وبروز التحدي الإيراني الخطير، ليشغل كل ذلك الولايات المتحدة عن الالتفات إلى صراع الشرق الأوسط، لتترك بذلك الفلسطينيين والإسرائيليين يواجهون بعضهم بعضاً، دون تدخل منها أو توجيه معبر عن أي موقف. وحين اكتشف أولمرت متأخراً أن عليه دعم الرئيس عباس في مواجهة "حماس" فعل ذلك بأيام قليلة قبل أن يلفظ العام أنفاسه، وفعلها بخطوات وئيدة وغير ذات فائدة. فإطلاق الأسرى الفلسطينيين هو وحده ما يمكن أن يدعم موقف "فتح"، أو إطلاق قائد كاريزمي بحجم مروان البرغوثي، ولكن أولمرت لا يملك الشجاعة السياسية للإقدام على خطوة كهذه. وفي صحيفة لوموند كتب زئيف شتيرنل مقالاً بعنوان: "أية حدود لإسرائيل؟"، تساءل فيه عن دواعي حملة التشكيك والدعوات المتلاحقة الآن في إسرائيل من أجل التنكر لخط الهدنة الفاصل بين إسرائيل والفلسطينيين، والمعروف بالخط الأخضر، وهو ذلك الذي كان يرسم خطوط الهدنة بين الدولة العبرية والعرب حتى السادس من يونيو 1967. فبعد طمس أي أثر لهذا الخط من الكتب المدرسية يريد العديد من الساسة الإسرائيليين الآن إعادة رسم ما يعتبرونه هم خريطة لدولتهم، وذلك رضوخاً منهم لضغوط غلاة حركة الاستيطان الإسرائيلية. ولكن المشكلة –يقول الكاتب- هي أن هذا الخط نفسه سلاح ذو حدين، فإذا تنكرت له إسرائيل، واعتبرت حدودها مفتوحة، وغير معروفة نهائياً حتى الآن، فهذا من شأنه أن يجعل الدول العربية لا تعترف أيضاً بوجود إسرائيل في حدود الخط الأخضر، لأنها لم تكن فعلاً موجودة من الأساس قبل خط الهدنة الذي تتنكر له اليوم. إعدام صدام: خصت صحيفة لوفيغارو موضوع تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين، معتبرة أن تنفيذ هذا الحكم عميق الدلالة وقد يكون له تأثير على الوضع الأمني في العراق. أما في صحيفة لوموند فقد أشارت افتتاحية مخصصة أصلاً لمناقشة التصديق على حكم الإعدام -ونشرت قبل تنفيذه- إلى أن العراق الجديد منذ كرس أحكام الإعدام في سنة 2005، تم تنفيذها في عشرات المدانين. وبالنسبة للمواطن العراقي العادي الذي يعاني الآن من العنف والفوضى العارمة فإن آخر ما يشغل باله هو إعدام صدام من عدمه، "وفي هذه الأثناء تمضي عدالة المنتصرين"، تقول الصحيفة. وقد أبدى العديد من الجهات الحقوقية في الخارج تحفظه أو اعتراضه على تنفيذ هذا الحكم، كما انتقد آخرون إجراءات المحكمة ذاتها وما شابها حسب رأيهم من قصور وعيوب. والمفارقة -تقول لوموند- أن الديكتاتور السابق نال الإعدام على واحدة من أبسط جرائمه، وهي قتل 148 شخصاً في بلدة الدجيل. "فمئات آلاف الأسر الكردية والعربية والشيعية التي فقدت أعزاء لها في مختلف حملات القمع الصاخبة الذي اقترفها صدام حسين لن يصفوا معه حساباتهم، على الأرجح". أما في افتتاحية الكاتب "جيل كلورت" في "نور أكلير"، فقد اعتبر أن الاحتجاجات القليلة الصادرة عن المنظمات الحقوقية الأجنبية لا قيمة لها ولا تجدي صدام نفعاً، كما توقع أن اعتراض بعض المنظمات الحقوقية الأميركية سيجد آذاناً صماء في البيت الأبيض، لأن إعدام صدام فرصة لا تعوض بالنسبة للإدارة الأميركية للبرهنة على أنها لا تتدخل في شؤون العراقيين الداخلية. أخطار صومالية: هذا هو عنوان افتتاحية صحيفة لوموند ليوم الخميس الماضي، التي خصصتها لتحليل تداعيات هزيمة "المحاكم الشرعية" في مقديشو. فخلال أسبوع واحد فقط تمكنت القوات الأثيوبية، وقوات الحكومة الصومالية، من طرد مقاتلي "المحاكم" من العاصمة، مغيرة بذلك معادلة القوى القائمة في ذلك البلد الذي مزقته النزعات الداخلية كثيراً. ومثل هذه السرعة في حسم الموقف وتغييره رأساً على عقب، تعني أن "المحاكم" ربما فضلت عدم خوض الحرب الآن في وقت اختاره خصومها، وأنها غيرت التكتيك فعلاً، واتجهت إلى الإعداد لحرب عصابات. والحقيقة أن الحرب الحالية جاءت عموماً بعد عقد ونصف عقد من الفوضى والحرب الأهلية وتسيد لوردات الحرب، كما أن أثيوبيا ليست هي الطرف الخارجي الوحيد المعني بتصعيد الأزمة الآن، بل إن أرتيريا كانت تتمنى فعلاً أن ترى عدوتها اللدود وهي تتخبط في المستنقع الصومالي، بعيداً إلى الجنوب عن حدودها المشتركة مع عدوتها. كما أن الأميركيين الذين دعموا علناً الهجوم الأثيوبي، لن يأسفوا على هزيمة قوات "المحاكم" التي يصنفونها ضمن الحركات الإسلامية المتطرفة. وتذهب لوموند إلى أن فرار مقاتلي "المحاكم" لا يجوز أن يخفي حقيقة أن الاحتلال الأثيوبي ليس هو أفضل حل للصوماليين. كما لا يجوز أيضاً أن يخفي حقيقة أن الحكومة الصومالية التي تشكلت سنة 2004 لم تتمكن أبداً من الحصول على دعم يسمح لها بإعادة بناء البلاد. ومع أن الوقت ما زال مبكراً جداً للحكم على نتائج هذه الحرب وما سيترتب عليها، من نتائج، إلا أنه دون جهد دولي متسم بالعزيمة، فإن نتائج الحرب لن تحمل للصوماليين أي تغيير في المعادلة، خاصة أن الحرب هناك أصبحت هي القاعدة وما عداها استثناء. إعداد: حسن ولد المختار