منذ أعوام خلت، وكلما لاحت تباشير عيد أو عامٍ جديد، تتجدد أمنية يتيمة، وكأنها- رغم كل التفاصيل اليومية والمشاغل المعتادة لدرجة الملل- تضيء كما لو كانت هنا منذ الأزل، فلا تمنٍ من دونها ولا قلق سواها، إنها حرية فلسطين الحلم القديم جداً، والهم الأقدم، التي ولدنا لنجدها منكوبة بظلم أهل الأرض لها، وكأنها التحدي الأوحد الواقف أمام تحليق الأحلام والأمنيات. فالعام الجديد بدأ في السطوع، وبدأت معه تمنيات تضيؤها شموع الأمل بغد يشبه الإشراق حتى في ليل طويل معتم، وكأنه بلا نهاية نهارية متجذرة الحضور. متى نستيقظ دون أسى فلسطيني حار وحارق، دون ابتهال في صمت الليل بنصر قريب أقرب من الحلم ذاته؟ متى لا تقلقنا أوضاع أهلينا هناك وتعبهم وغي الباغي ضدهم، وعتمة دموعهم السيّالة كأنها نهر بلا مصب أو نهايات؟ متى تسقط مفردة عصيبة تسمى "سلام" في فخ الذكاء والفطنة والتعلم من أخطاء الماضي المتكررة وكأنها حلقة تدور في الفراغ؟ أنهكنا الظلم الواقع على فلسطين حتى النخاع، وأتعبتنا نيران قضيتها المشتعلة بلا انطفاء، حتى في ضجيج الأمطار والأعاصير. فلسطين الحلم المؤجل، الألم الحانق في دمنا دون برد ونوم وسكينة. لم نعد نطمئن من سكون العواصف، فبعدها تهب ريح صرصر عاتية، تأتي بها جهات مكفهرة وغارقة في قهرها لهم... هؤلاء الذين إنْ أغمضنا أعيننا لننام نراهم، تطاردنا صورهم وغضبهم وصمودهم الشامخ، فلا حياة تحلو ولا ذكرى تشع وهم في دوامة الحرب وانتهاك الحقوق. كل عام وهم بخير، ونحن لهم سند وأدعية وحب. كل سنة جديدة تكون لهم نصرا وعزيمة، فالوقت تدق أوصاله لينتصر لهم، والموتى الذين ودعوهم ليختاروا شهادة وجنة بينهم يسندون وقفتهم من التخاذل أو السقوط سهواً وقلقاً. كل أعوامهم نصر واحتفال، وكل أعوامنا دعاء ونهارات تترى لرائحة زيتون فلسطيني، وحب سكنَ العروق وكان موعده الدم والقلب. إنْ جاء العيد أهديناه لهم، ورجونا الله أن يكون العيد الأخير الذي يكونون فيه مكابدين ومعانين من اغتصاب الأرض، فلا عيد بلا فلسطين، ولا فرح بلا فلسطين، ولا حتى اطمئنان دون فرح بها، وبنصر يشبه عيون أسكتها الرصاص وأضاء بريقها الوطن. لفلسطين كل الحب... فليست وحدها، حتى وإن كانت طاولة المفاوضات منصوبة فوق نبضهم، وحتى إن كان عوزهم يتساقط فوق شوارعهم، وحتى إن كان صبحهم ليلاً، فالعمر الافتراضي لكل هذا الحزن قد أوشك على الانتهاء، والنهايات توشك أن تكون حاضرة، لكنه الصبر فقط لا غيره. عامكم سعيد أيها الأبطال هناك، ولكم مجد غامر يكتبه التاريخ اليوم بأشعة ضياء لم نعرفه قط. لا عيد دونكم ودون فلسطين حرة وطيبة ومليئة بصور وأحلام وتمنيات وردية. فساعتها سيكون عامنا سعيداً بالتأكيد!