على ما يبدو فإن الرجال والنساء الحكماء لا يعرفون تاريخهم. هذا على الأقل هو ما بدا لي، وأنا أقرأ تلك الخلاصة التي توصلت إليها مجموعة دراسة العراق في تقريرهم الذي أصبح يعرف باسم "بيكر- هاملتون"، والتي تقول إن القضايا الرئيسية في الشرق الأوسط، ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً، وهو ما جعل تلك المجموعة تبدو في نظري وكأنها لم تكن تعرف شيئاً عما حدث خلال الخمسة وعشرين عاماً الأخيرة من تاريخ الشرق الأوسط. الفرضية الرئيسية في تلك المحصلة، وهي "الارتباط" الضروري بين قضايا الشرق الأوسط، ليست بالجديدة. فقد حاول الرئيس جورج بوش الأب و"جيمس بيكر" نفسه الذي كان وزير خارجيته منذ 15 عاماً، بناء عملية سلام بين العرب والإسرائيليين اعتماداً على النجاح الذي حققته أميركا في حرب الخليج الأولى ضد نظام صدام حسين. وفي إدارة بوش الابن الحالية، كرر بعض الداعين إلى الإطاحة بصدام حسين تلك الفرضية قبل عدة أعوام، عندما تنبؤوا بأن تحقيق تغيير في العراق سوف يفتح مسارات جديدة لتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ويتخذ "الربط" أشكالاً عدة تنذر بالشر. من ذلك على سبيل المثال أن الصراع العربي (الفلسطيني)- الإسرائيلي، إذا ما ترك دون حل، يمكن أن ينفجر مؤدياً إلى حرب أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط، ومنها أيضاً ما كان قد ذهب (منذ جيل تقريباً) إلى أن محور تحقيق الاستقرار في الإقليم يقع في منطقة الخليج العربي، وأنه إذا ما نجحت إيران في تصدير ثورتها الإسلامية إلى الخارج، فإن ذلك قد يؤدي إلى تقويض أو إضعاف الدول الخليجية الصديقة للغرب. ومنها ما نسمعه اليوم عندما يقول وزير الدفاع الأميركي الجديد "روبرت جيتس"، أثناء جلسة الكونجرس الأميركي الخاصة بتثبيته في منصبه، إن الخوف الآن هو أن ينتشر العنف بين الطائفتين الشيعية والسنية مثل الوباء ليغرق المنطقة بأسرها في حمام من الدم. والمشكلة المتعلقة بكل تلك النظريات أنه قد ثبت بعد جيل كامل من التأسيس لما يعرف بنظرية "الدومينو" في الشرق الأوسط، أن ذلك الارتباط بين قضايا المنطقة غير موجود... لماذا؟ أولاً، لأن النجاح العسكري في الخليج لم يترجم في صورة نجاح سياسي في المنطقة. فعملية مدريد، وهي مبادرة إقليمية في أساسها، قد شهدت جلسات افتتاحية واعدة في البداية ولكن عندما وصل الأمر إلى مرحلة المفاوضات والمساومات الشاقة، فإن تلك العملية اصطدمت بالحقائق الراسخة المتعلقة بالخلاف السوري- الإسرائيلي، والفلسطيني- الإسرائيلي. علاوة على ذلك، فإن الفكرة التي سادت في ذلك الوقت، ومؤداها أنه يمكن البناء على انهيار نظام صدام والاستفادة منه في تفعيل التغيير على جبهة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ربما تكون هي تحديداً الفكرة التي عجلت بتهميش ياسر عرفات، وجعله يبدو كرجل تجاوزته الأحداث، وذلك قبل أن تظهر الحقائق المخيفة المتعلقة بالصراعات السياسية الفلسطينية – الفلسطينية في النظام الذي جاء بعد رحيله. السبب الثاني، أن الكوارث المحلية لا تترجم عادة إلى كوارث إقليمية: فعلى الرغم من محاولات التخريب والبلطجة، والتهديدات من جانب إيران، فإن جميع الدول العربية تقريباً نجت من تهديد تصدير الثورة الإسلامية إليها. وعلى الرغم من إجماع الآراء على طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط، وارتباط بعضها ببعض، فإنه ليس هناك في الحقيقة أدلة تثبت صحة الفرضية القائلة بأن العنف السائد بين الإسرائيليين والفلسطينيين له أي أصداء إقليمية ذات شأن، دعك عن أنه قد يؤدي إلى نشوب حرب إقليمية. وأوضح الأدلة على أن تلك الفرضية مناقضة للبديهة وللواقع، يأتي من الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي بدأت بعد انهيار قمة "كامب ديفيد" عام 2000. فعلى الرغم من أن الخسائر البشرية خلال تلك الانتفاضة، كانت هي الأكبر في تاريخ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ( وليس العربي- الإسرائيلي) حيث لقي 3000 فلسطيني و1000 إسرائيلي مصرعهم خلال مدة الثلاث سنوات التي ظلت الانتفاضة مشتعلة خلالها... على الرغم من ذلك، فإن تأثير تلك الانتفاضة على الساحة الإقليمية كان محدوداً للغاية. فلم تهدد دولة عربية واحدة باللجوء إلى خوض القتال جنباً إلى جنب مع الفلسطينيين، بل ولم تقم دولة عربية واحدة بتقديم العون العسكري لهم. وربما كانت المحاولة الوحيدة التي جاءت لمساعدتهم كانت تلك التي قامت بها إيران التي تبعد عنهم آلاف الأميال حين حاولت أن تقدم لهم الأسلحة. الأكثر من ذلك أن" الشارع" العربي لم ينتفض غضباً، وأن مصر والأردن لم تلغيا المعاهدة التي وقعتاها مع إسرائيل. ويمكن القول تقريباً إنه ما من دولة عربية واحدة احتجت على ما يحدث للفلسطينيين في الانتفاضة احتجاجاً حقيقياً. إن الدرس الذي تعلمناه خلال الجيل الماضي، هو أن الدول العربية في الشرق الأوسط قد ازدادت قوة لا ضعفاً. ويرجع السبب في ذلك إلى حقيقة أن الزعماء العرب مهتمون بالبقاء في أماكنهم في المقام الأول، ولذلك فهم يعملون بشكل دائم على حماية كراسيهم ومصالحهم، ولا يشغلون أنفسهم كثيراً بالحديث عن الرومانسيات الأيديولوجية، والعقائد الدينية، والإنحيازات العرقية وإنما يقودون أنظمة تعرف جيداً كيف تعنى بنفسها. ولعل هذا تحديداً هو ما يدفعني للقول، بأن التحذير الذي قدمه "جيتس" بصدد تدخل الدول العربية في العراق دعماً للسنة ودفاعاً عنهم ضد التطهير العراقي على أيدي الميليشيات الشيعية، هو تحذير مبالغ فيه. الحقيقة التي قد تبعث الذهول لدى البعض، هي أنه إذا ما حاولت الميليشيات الشيعية، البدء في عمليات تطهير عرقي ضد السنة، فإن على واشنطن ألا تتوقع أن يفعل جيران العراق من العرب أي شيء سوى تشديد الحراسة على الحدود، وإقامة المتاريس التي تحول دون حدوث نزوح واسع النطاق من اللاجئين العراقيين إليهم. إن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن الدولة الوحيدة التي ستهرع لإنقاذهم مما قد يفعله بهم إخوانهم في الدين- وكما حدث في الكويت والبوسنة وكوسوفو من قبل- ستكون هي الولايات المتحدة الأميركية نفسها. ما أود التأكيد عليه هنا في النهاية هو أنه على الرغم من أن أميركا بحاجة إلى التركيز على طائفة من المشكلات المختلفة في الشرق الأوسط، إلا أنها أيضاً بحاجة إلى أن تدرك، وهي تقوم بذلك، أن الطريق إلى بغداد لا يمر بالضرورة عبر طهران ودمشق والقدس أو غزة، وأنه طريق مسدود، يبدأ من العراق وينتهي فيه. روبرت ساتلوف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المدير التنفيذي لمعهد "واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"