العراق: تصدعات حزبية فوق صفيح طائفي ساخن! النعوت السلبية في "تقرير بيكر- هاملتون" بحق الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي، والاعتراف من دوائر المالكي حول جدية التهديدات التي تواجهها حكومته، ونتائج استطلاع الرأي الأخير وما أظهرته من تقييم شديد السلبية من جانب المواطنين العراقيين لأداء الحكومة ولأوضاعهم العامة، والحديث عن تعديل وزاري وشيك، والاستقبال البهيج لعبدالعزيز الحكيم، ومن بعده لطارق الهاشمي، في البيت الأبيض، و"فيتو" التيار الصدري على لقاء المالكي- بوش في عمان، والخلاف المتصاعد بين المالكي وحكومة إقليم كردستان، إضافة إلى اجتماعي "مؤتمر نصرة العراق" في أنقرة، و"مؤتمر القوى السياسية العراقية" في بغداد، والذين يلتئمان بفارق زمني قليل... تطورات تدلل في المعنى العام على نزوع ملحوظ لتجاوز الحالة السياسية الراهنة نحو خريطة جديدة للتحالفات الحزبية والطائفية في العراق! ولعل أحد المستجدات التي ستترك آثاراً واضحة على المشهد السياسي العراقي، هو الاتفاق المبرم أخيراً بين أربع تشكيلات سياسية كبرى؛ هي "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، و"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، و"الاتحاد الوطني الكردستاني"، و"الحزب الإسلامي العراقي"، وذلك بهدف العمل على "تحصين الوحدة الوطنية وتعزيز السلم الأهلي ودعم العملية السياسية"، كما جاء في بيان مشترك. وإضافة إلى التنظيمات الأربعة السابقة، تجري الآن جهود لإشراك كل من "المؤتمر الوطني" (أحمد الجلبي)، و"حركة الوفاق الوطني" (إياد علاوي)، في التكتل الجديد. وإن نفى قادة قوى التكتل، وجود نية لديه للانقلاب على حكومة المالكي، فإن الأخير بدأ يشم فيما يحدث من حوله رائحة "طبخة" سياسية لإطاحته، وذلك عبر تكوين جبهة داخلية مدعومة أميركياً لإقالة حكومته، من هنا بدأ المالكي منذ أيام يسرع خطواته لإجراء تعديل وزاري يشمل 12 وزارة ومنصب نائبه... فهل يكفي ذلك فحسب لكبح "التغيير" القادم؟ ثمة معطيات عديدة، ضمنها التصريحات الإيجابية جداً لكل من الهاشمي والحكيم عقب لقائيهما مع بوش، وانزعاج "المجلس الأعلى" من رضوخ المالكي للتيار الصدري، إضافة إلى الوقائع الأمنية اليومية على الأرض... كلها تشير إلى أن التكتل الجديد جاء تداركاً لانقلاب واسع متوقع في السياسة الأميركية تجاه العراق، خاصة بعد "تقرير بيكر- هاملتون" وبعد انصراف دونالد رامسفليد من "البنتاغون". وبطبيعة الحال فإن التطورات الحالية في ساحة المشهد السياسي العراقي، تأتي لتشكل تجاوزاً لخريطة استقر عليها ذلك المشهد منذ نهاية العام الماضي. فحينئذ تبلورت أهم التكتلات السياسية العراقية، في خريطة أولية لخوض الانتخابات التشريعية في ديسمبر 2005، والتي شارك فيها 21 ائتلافاً و130 حزباً وكياناً سياسياً، وقطاعاتها قطاعات واسعة من السُّنة، إلا أن نتائجها أرست توازنات جديدة؛ إذ أعطت "الائتلاف العراقي الموحد" (ائتلاف شيعي يضم 17 كياناً سياسياً، أهمها "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، و"حزب الدعوة"، والتيار الصدري) موقع الصدارة بحصوله على 128 مقعداً من أصل 275 مقعداً في الجمعية الوطنية، تلاه "التحالف الكردستاني" (يضم الحزبين الكرديين الرئيسيين) بـ53 مقعداً، ثم "جبهة التوافق العراقية" (وتضم ثلاث تشكيلات سُنية: "الحزب الإسلامي العراقي"، و"مجلس الحوار الوطني"، و"مؤتمر أهل العراق") بـ44 مقعداً، تلتها "القائمة العراقية الوطنية" بزعامة علاوي (25 مقعداً)، ثم "الجبهة العراقية للحوار الوطني" بزعامة صالح المطلق (11 مقعداً)، فـ"الاتحاد الإسلامي الكردستاني" (5 مقاعد)، ثم "كتلة المصالحة والتحرير" بزعامة مشعان الجبوري (3 مقاعد)، وقائمة "رساليون" (مقعدان)، وأخيراً قوائم "الألوسي"، و"التركمانية"، و"اليزيدية"، و"الرافدين"، بمقعد لكل منها. وطوال الأشهر الثلاثة اللاحقة بعد الانتخابات، طغت على الحياة السياسية العراقية صراعات وتجاذبات حادة بين مختلف القوى السياسية والطوائف الدينية؛ حول تشكيل الحكومة وحصص كل حزب وائتلاف وتحالف وطائفة، من السلطة والنفوذ والاقتصاد، إضافة إلى خلاف شديد على أسماء المرشحين للمناصب الوزارية السيادية في الدولة، فضلاً عن تباينات أخرى حول النظام الفيدرالي. لكن بعد 128 يوماً على الانتخابات، تمكن أعضاء المجلس التشريعي من انتخاب محمود المشهداني، مرشح "جبهة التوافق"، رئيساً للمجلس، ثم صوتوا على جلال الطالباني كمرشح لمنصب رئيس الجمهورية، وهذا بدوره كلف مرشح "الائتلاف العراقي الموحد"، نوري كامل المالكي، بتشكيل الحكومة. إلا أن تحالف الائتلافين، الشيعي والكردي، لم يسر دون مكدرات، بل تصدع في أحيان كثيرة، وشكل "تطبيع الأوضاع" في كركوك، مصدر خلاف واتهامات متبادلة، منذ رئاسة إبراهيم الجعفري للحكومة خلفاً لعلاوي. ثم كان الموقف من التجديد للجعفري، أول اختبار حقيقي لتماسك "الائتلاف" الشيعي ذاته، خاصة حين ووجه الجعفري بمعارضة من السُّنة، بعد أن تراجع عن إشراكهم بـ"تمثيل مناسب"، تحت ضغوط "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية". والحقيقة أن الحديث عن تغيير التحالف في ملامح المشهد الحزبي العراقي، ليس وليد الأيام الأخيرة، ففي مارس الماضي، نشرت تصريحات حول مشروع للتحالف بين أطراف سياسية "على أساس حزبي"، هي الحزبان الكرديان، و"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، و"الحزب الإسلامي العراقي"، و"حركة الوفاق الوطني" بزعامة علاوي، أي بالضبط ما بدأت تنجلي ملامحه الآن، ألا وهو انشقاق في صفوف "الائتلاف العراقي الموحد"، وحدوث تقارب بين الحكيم وعلاوي، مع استبعاد التيار الصدري و"حزب الدعوة" من التحالف الجديد. قد يساهم التكتل الحزبي الجديد، والذي لم يعرف له اسم بعد، في التخفيف من حالة الاستقطاب الطائفي، وقد يدفع نحو مشهد جديد في بلد (مع استثناء كردستان) حرم من التعددية السياسية طوال ثلاثة عقود! بيد أن ذلك التكتل لم يقم على أسس بريئة من الطائفية، وهو إلى ذلك ينطوي على تباينات وعوامل تناقض، بنيوية وأيديولوجية، كثيرة؛ خاصة لجهة الموقف من الفيدرالية، والوجود الأميركي، وعلاقات العراق الإقليمية... ولنتأمل مساحة الاختلاف بين علاوي، الساعي إلى كسب القوى ذات الأصول البعثية، في الجهازين البيروقراطي والعسكري السابقين، وبين الحكيم الذي يتهمه السُّنة بتوظيف سياسة "اجتثاث البعث"، لاستئصالهم من الجيش والمؤسسات الحكومية، وأيضاً من أحيائهم السكنية في بغداد! فهل هو مجرد تحالف "حزبي" عابر، فوق صفيح الغليان الطائفي، وفي ساحة استعادت التعددية الحزبية تحت رماح الاحتلال أو مع فورة الفرح العاطفي بـ"حرب التحرير"؟! محمد ولد المنى