جرت العادة أن يسطر الكتاب مقالاتهم عن مؤتمرات القمة قبيل انعقادها، منتهزين اهتمام القراء بالحدث السنوي. ولكن مؤتمر القمة الخليجية السابع والعشرين "قمة جابر" الذي انعقد في الرياض في الأسبوع الماضي، ناقش مواضيع استراتيجية، في غاية الأهمية. ولعل من أهم هذه المواضيع مسألة التقنية النووية، والتي أوصى القادة فيها بتبني دراسة لدول المجلس لإيجاد برنامج مشترك في مجال التقنية النووية للأغراض السلمية، وطبقاً للمعايير والأنظمة الدولية. والحقيقة أن الموضوع النووي قد أخذ بعداً جديداً في المنطقة، خاصة بعد حيازة إسرائيل منذ فترة طويلة لهذه الأسلحة، واعتراف رئيس وزرائها مؤخراً بامتلاك السلاح النووي، بعد أن كانت إسرائيل لا تجرؤ عن الإعلان عن ذلك خشية تعرضها لعقوبات من بعض الدول، وعلى الأخص من حليفتها الأولى، الولايات المتحدة، التي ينص قانونها على منع بيع الأسلحة أو تقديم المعونات لأي دولة تطور مثل هذه الأسلحة. ولكن كالعادة، ليس من المفترض أن نرى تطبيقاً لمثل هذا القانون لأسباب لا تخفى على أحد. ويأتي رد الفعل الخليجي بسبب التطور الكبير الذي أدخلته إيران بتخصيبها لليورانيوم، وفي تركيا أسلحة تابعة لحلف "الناتو" تحوي خمسين رأساً نووياً، مما يعطيها القدرة على الدفاع عن نفسها، ويكسبها مظلة نووية مباشرة. وهكذا وجدت الدول العربية نفسها محاطة بدول نووية، أو على وشك الدخول إلى النادي النووي، مما حدا بوزراء الخارجية العرب المجتمعين في القاهرة قبل أسبوعين إلى المناداة ببدء برامج عربية في مجال الطاقة النووية. وكانت مصر أول الدول العربية المتحمسة لمثل هذه التقنية، وهي التي حاولت في السبعينيات بناء محطتين نوويتين، خاصة بعد توقيعها لمعاهدة السلام مع إسرائيل، إلا أن الضغوط الأميركية حينئذ حالت دون ذلك. والحقيقة أن الردع النووي، على صعوبته، إلا أنه يمثل حلاً جزئياً لمشكلة دول الخليج القوية اقتصادياً، والتي تحتاج إلى قوة رادعة، خاصة في ظل تراجع القوة الأميركية، وتعاظم القوة الإيرانية في المنطقة، بدءاً بالعراق، وليس انتهاءً بلبنان. وقد لفت كاتب أميركي مغمور، بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، إلى أن التقنية النووية يمكن أن تعتبر حلاً مناسباً للعقدة الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي. ولعل الأمر المثير للانتباه، أن الولايات المتحدة التي كانت تمانع في الماضي في تطوير بلدان عربية للتقنية النووية في الماضي، باتت اليوم تقبل بمثل هذا الطرح، خشية منها بأن تزايد النفوذ الإيراني قد يقود إلى ما يشبه الهيمنة على التطورات السياسية في المنطقة. ولاشك أن عملية بناء مثل هذه التقنية أمر يحتاج إلى الكثير من الجهد والتطوير الذاتي في المجالات العلمية والهندسية ولفترة طويلة قادمة. فمثلاً بدأ البرنامج النووي الإيراني في فترة مبكرة، في عهد الشاه قبل حوالي ثلاثين سنة، وتأخر لفترة طويلة خلال فترة حرب إيران مع العراق. ولكن الحكومة الإيرانية، عادت بعد انتهاء تلك الحرب، إلى ضخ أموال متزايدة في هذا البرنامج. ويكفي القول إن مسألة بناء مفاعل نووي واحد، تكلف ما بين 700 مليون إلى مليار دولار. ولكن الإشكالية ليست في التكلفة المادية فقط، ولكن أيضاً في تكوين الكوادر الوطنية المؤهلة للعمل في مثل هذه المشاريع. ومع أن الجميع يشعر بصعوبة تطوير مثل هذه المهارات المطلوبة، إلا أن بعض بلدان الخليج، وحتى الصغيرة منها، تحتضن عدداً قليلاً من المختصين في هذه المجالات. وإذا ما جمعت دول الخليج قدراتها الفنية، فإنها قادرة بشكل مشترك على تكوين كادر صغير، يمكن أن يكون نواة فعّالة لمثل هذه البرامج. أما مسألة التمويل، فإنها ليست بالمسألة الصعبة. وستجد دول الخليج أن الأبعاد الأخرى الخاصة بإيجاد أماكن ملائمة على شواطئ الخليج العربي، وتأثيراتها وانعكاساتها البيئية، هي التي قد تكون عقبة أمام مثل هذا التطوير، خاصة وأن معظم التجمعات السكانية في المنطقة تطل على هذه البحيرة المغلقة. وسيكون لزاما ًعلى بلدان المنطقة النظر إلى إجراءات الأمن المصاحبة والضرورية لبدء مثل هذه البرامج، كما يجب النظر إلى مسألة التخلص من المواد المتخلفة من هذه المحطات، وطرق التخلص من النفايات المصاحبة. كل هذه المواضيع ذات طبيعة تقنية، وهي تحتاج كذلك إلى تدريب كوادر، بالتعاون مع الدول الصديقة، ومع المنظمات الدولية المهتمة بمثل هذه الأنشطة مثل وكالة الطاقة الذرية في فينيا، والوكالة الأوروبية للطاقة الذرية "يورو آتوم"، وغيرهما من الوكالات، والدول المتقدمة في مثل هذه الصناعة. أما المسألة الأخرى التي شغلت بال الدول الخليجية، فهي إشكالية تزايد التوتر والعنف في البلدان المجاورة. فهناك اليوم قوسان للتوتر والعنف في الإقليم العربي، وفي دول الجوار. فالعنف في العراق والاحتقان في لبنان، والعنف والاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، تحيط بمنطقة الخليج العربي من شرقها إلى شمالها. أما في الغرب فهناك قضيتان رئيسيتان يمكن أن تفجرا العنف في القرن الإفريقي. فقضية الحرب في دارفور، والقضايا الإقليمية في السودان تهدد بالفعل الوحدة الوطنية لهذا البلد العربي. وقد حاول السودان خلال السنوات القليلة الماضية إيجاد حلول سياسية لمسألة الجنوب، ووقع اتفاقات مع بعض الفصائل العسكرية في شرق السودان. وتحاول الخرطوم التوصل إلى حلول مرضية لما يحدث في دارفور. إلا أن الضغط الدولي وضغط الأمم المتحدة يتزايدان عليها للسماح لقوات دولية بدخول الإقليم لبسط الاستقرار فيه، وهو ما تعارضه الحكومة السودانية حتى الآن. لذلك فقد جاء البيان الختامي للقمة ليحث السودانيين على الحوار، والتعاون مع المنظمات الدولية، لمحاولة الخروج من هذه الأزمة بأقل الإشكالات، وتجنيب السودان أي مواجهات دبلوماسية مع المجتمع الدولي. وكان خطاب الحوار والتفاهم هو أساس تصور القمة لإيجاد حلّ للصراع ومسلسل الأزمات القائم في الصومال أيضاً. حيث يتقاتل أبناء البلد الواحد الفقير من أجل الوصول إلى السلطة. وبدلاً من صرف هذه الأموال على مثل تلك الحروب، كان الأجدر بالصوماليين أن يصرفوها لإنقاذ أهل هذه البلاد من المجاعة والفقر. وهكذا فإن دول الخليج العربية تحاول تبني تصورات ذاتية وجماعية للتعامل مع أقواس التوتر والخطر المحيطة، وستكون إحدى أهم ركائز مثل هذا التعامل هو العمل الدبلوماسي، وكذلك زيادة القدرة الذاتية والاستراتيجية للدفاع عن منطقتنا ومكتسباتنا.