كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إذا أراد العلم بشيء من أمور النساء، استفتى السيدة حفصة ابنته وإحدى زوجات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه أدرك أن المرأة أدرى بحالها وحاجتها عن غيرها من الرجال، وهذا عمر بن الخطاب، المُبشَّر بالجنة ورفيق الرسول في الجنة، وثاني الخلفاء الراشدين، والإمام العادل الذي امتد عدله إلى كل بلاد الإسلام آنذاك. ويحدث الآن، أن تظهر بعض الفتاوى التي تنقص من قدر المرأة، ويصفق لها بعض المفتين ويعتبرونها صحيحة ويرجحونها، بل ويستندون إلى أدلة ما أنزل الله بها من سلطان. هذا النوع من الفتاوى يصب في اتجاه ذكوري بحت، بمعنى أنها في صالح الرجل أولاً وأخيراً، وتخدم أغراضه وغرائزه وكل ما يريده ويرغب به من المتاح والحلال...لكن ماذا عن المرأة وحقوقها وكرامتها؟! فزواج "المسيار" الذي أقره البعض واعتبره حلالاً، والذي يَحرم المرأة من حقها في زواج كامل، أعطى للرجل العذر في عدم الإنفاق وإشباع حاجته المادية بدعوى أنه حل للعوانس وأرقام الإحصائيات المتزايدة حولهن. فعوضاً عن البحث في جذور الظاهرة، أو إيجاد حلول، كتقنين الزواج من أجنبيات ومناهضة تكاليف الزواج وهما من ضمن الأسباب الحقيقية وراء ظاهرة العنوسة، بحثوا عن حل سريع يرضي الرجل إلى أقصى مدى. هذا الاستخفاف بإرادة المرأة والبحث عن منافذ في التشريع، يجعلان من غرائب الأمور حلالاً، حولت المرأة إلى مجرد أداة، فبعد أن كنا نتهم الغرب بأنه حوّل المرأة إلى سلعة أو شيء واستغلها في مظاهره الإعلانية التجارية المحضة، يُخشى اليوم من أن يطبق ذات الفكر لكن بشكل قانوني أقسى ومجحف بحق المرأة. وأحسب أن الإسلام أكثر من كرّم المرأة وصان حريتها وأعطاها من الحقوق وساواها بالرجل تمام المساواة، وترك لها مطلق الحرية في اختيار زوجها وتطليقه، وإدارة أموالها، وأعزها بالعفة، وجعل لها حقوقاً تحميها من التعدي أو الاستغلال. لكن هؤلاء الوعاظ الجدد الذين يسعون للرجل ولصالحه، ربما غاب عنهم أن لهذه المرأة روحاً وقلباً وحاجة، وكلها تستحق التعامل بالتساوي مثل الرجل وبمثل الحقوق التي كفلها لها الدين، حتى قضية "الخلع" التي كانت حقاً خالصاً للمرأة منذ عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كانت مغيبة بفعل فاعل، ومتجاهلة وغير مذكورة في أروقة المحاكم والخلافات الزوجية. تستحق الفتوى أن تؤخذ على محمل يعطي للجميع حقوقهم، وتستحق المرأة أن تستفتى فيما يخصها لأنها الأدرى بما تريد، وأن لا يكون الأمر مجرد فكر ذكوري يحتاج إلى تحديث واعتناء بالقوارير.