عندما يكتب التاريخ الخاص بالمنطقة العربية وجوارها الجغرافي المسلم، في الحقبة الزمنية الممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أخذت البلاد العربية في نيل استقلالها الواحدة تلو الأخرى إلى هذه الحقبة، سيكون من الواضح لاحقاً تبلور الصورة بشكل أفضل حول أي من الأحداث والخطوات التي كان لها الأثر الأبلغ في المسيرة الخاصة بهذه الدولة أو شكّلت فرقاً واضحاً في تطورها. وإلى الآن يبدو منطقياً، القول بوجود توجهين متضادين مرشحين لكي يكون لهما أثر بالغ في تشكل الدولة- الوطنية العربية بشكلها الحالي، الأول إيجابي والآخر سلبي. إن فكرة الإيجابية والسلبية في إطار حديثنا هذا، تستمد من النجاحات التنموية التي تحققت في الدول التي أخذت بالتوجه الأول، ومن الإخفاقات التنموية التي ألمت بالدول التي أخذت بالتوجه الثاني. أصحاب التوجه الأول الذي حقق نتائج تنموية إيجابية لشعوب الدول التي أخذت، من وجهة نظرهم، ما يعرف الآن بالدول التقليدية المحافظة، وبالتحديد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست، فبعكس خصائص عدم الاستقرار التي ألمَّت بالدول العربية التي تواجدت فيها أنظمة سياسية قامت إثر انقلابات عسكرية وأعلنت إثرها بأنها "جمهوريات"، تنعم النظم السياسية الخليجية الستة باستقرار داخلي مستمر منذ قيامها حتى هذه اللحظة. ويمكن إعادة هذا الاستقرار إلى كون الأسر الحاكمة هي مركز السلطة والقوة في مجتمعاتها، حيث تشكل التقاليد الاجتماعية والموروث الثقافي مصدراً لشرعية أنظمة الحكم والسياسات التي تُنتهج والقرارات التي تُتخذ. شرعية النظم الخليجية القائمة تعود في أصولها إلى وجود تحالف قوي بين النخب السياسية التقليدية ممثلة في الأسر الحاكمة، وقبائل المنطقة المتعددة وفئات التجار الكبار من أصحاب رؤوس الأموال وملاك وسائل الإنتاج، إلى جانب المؤسسات الدينية القوية في البعض منها. هذه التحالفات لا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة وإن ضعفت أدوار البعض منها كفئات التجار، بعد تبدل مصادر الدخل والثروة. واستناداً إلى تلك التحالفات، اكتسبت حكومات الدول الست شرعية صلبة لتواجدها على قمة الهرم السياسي والاجتماعي عن طريق العودة إلى الأعراف القبلية التقليدية والموروث الثقافي العميق الجذور والتنظيم السياسي القائم على الشعور بالهوية الوطنية. لقد مكّن كل ذلك بالإضافة إلى العامل الأكثر أهمية، وهو الاقتصادات القوية القائمة على مصادر الثروة النفطية، هذه الدول من إقامة بنى تحتية صلبة ومشاريع تنموية اقتصادية واجتماعية أدت إلى قيام دول تنعم بالاستقرار والهدوء. ويقابل ذلك، أنه منذ أن نشبت الحرب العالمية الأولى، والنتائج التي تمخضت عنها وانعكاس ذلك على المنطقة العربية، أن قلّت حظوظ المقولة التي انتشرت مع بداية القرن العشرين، بأن الفكر السياسي والتنظيم الاجتماعي الغربي متفوق جداً على ما عداه من الفكر الإنساني، ولم يعد العديد من المثقفين العرب يشعرون بأن ثقافتهم السياسية والاجتماعية أقل شأناً من الثقافة السياسية والاجتماعية الغربية التي ضحت بملايين الأرواح من البشر في سبيل تحقيق تبدل في العقلانية السياسية. لقد استمر العديد منهم في الاقتناع بالحرية والديمقراطية أو الحكومة النيابية، واستمر العديد منهم في النضال من أجل إدخالها إلى بلدانهم، واستعان آخرون بالانتقادات التي كان يوجهها الأوروبيون ذاتهم إلى الثقافة والمجتمع الأوروبي بأفكار المناوئين للتدهور الذي كان حاصلاً آنذاك، لإثبات قوة ثقافتهم العربية. وتأثر بعض المفكرين والحركيين العرب بالأفكار التي طرحتها الفاشية والفكر الماركسي، واستطاعت الماركسية بالتحديد، تأسيس مواطئ قدم مهمة لها في بلاد عربية محددة لما كانت تنادي به من شعارات معادية للاستعمار الأوروبي وقدمت بدائل راديكالية بدت مقنعة بما كان حاصلاً في تلك الدول. وبدا للعديد من المثقفين والسياسيين العرب أن التنظير الماركسي حول الاستغلال الاقتصادي وثورة الجماهير المسحوقة، ربما يمكن توحيده مع وجهات نظر مجتمعاتهم التقليدية حول العدل والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية، والاستفادة من تلك المقولات لتحقيق الطموحات المتعلقة بالشعارات. لقد استمد العديد من قياديي تلك المرحلة الأطروحات والمقولات من تلك الأفكار وتبنوها وحاولوا في مراحل لاحقة تطبيقها، ونجح البعض منهم في تنفيذ انقلابات ناجحة أقاموا على أساس منها حكومات لم تستطع الصمود طويلاً. التاريخ يحتاج وقتاً طويلاً لكي يحل إشكاليات ما كان مهماً وما لم يكن كذلك، في سياق الحركة الإنسانية وأحداثها المتعاقبة. دلالات وتداعيات بعض الخطوات هي حقيقة غير قابلة للقياس عقلانياً، فالذين يحاولون التقليل من شأن التجربة الخليجية وتفوقها متذرعين بأن سببها هو الطفرة النفطية، لا ينظرون إليها نظرة الراغب في التقييم الصحيح، ولكن التاريخ الإنساني في هذه المرحلة يشهد بأن تجربة إنسانية رائدة تتفاعل وتقدم للبشرية شيئاً جديداً في الإرادة والتصميم والمثابرة والرغبة الحقيقية في النجاح وتحقيق التنمية والرفاهية للشعوب. دول مجلس التعاون ليست أغنى من نواحٍ عملية من بلدان أخرى حبتها الطبيعة بكافة معطيات وأسباب النجاح، ولكنها مبتلاة بعوامل أخرى تعيق تحقيق تجارب تنموية تنفع البلاد والعباد.