جاء في آخر تقرير "للجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة" (أيباك) ما يجعل دورها واضحاً في توجيه السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، ومن ثم يؤكد ما ذهبت إليه دراسة "جون ميرشايمر" و"ستيفن والت" (اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية) التي قوبلت حينها بالانتقاد واتهام كاتبيها بمعاداة السامية. وقد تطرق "تقرير الشرق الأدنى" (Near East Report)، الذي يصدر كل أسبوعين ويخصَّص للسياسة الأميركية في المنطقة، إلى سوريا وإيران و"حزب الله" بصورة تحريضية توحي بأن المنظمة هي التي توجه السياسة الأميركية في المنطقة وتضع السيناريوهات التي تنفذها الإدارة الأميركية بما يتفق ومصالح إسرائيل. وتصب كل تحليلات "أيباك" في خانة "المصالح الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية" التي لا تنفصل. ومما جاء في التقرير أن وجود دعم أميركي قوي لإسرائيل حريٌّ بضمان نفوذ واشنطن، وليس أدل على ذلك من حق النقض الذي استخدمته عشرات المرات كان آخرها ضد قرار يدين مجزرة بيت حانون. ويشمل نشاط "أيباك" ثلاثة أبعاد: المعنوي والنّظمي والاستراتيجي. أما الأول فهو العقيدة البروتستانتية ومبادؤها التي تتمحور حول الإيمان بعودة المسيح المشروطة بقيام إسرائيل، وهو بُعد موجود في أوروبا الغربية، ولكنه يتضح حقيقةً في الحزبين "الديمقراطي" و"الجمهوري" الأميركيين. فالأخير تعود القيادة فيه للجماعة البروتستانتية، بينما تُعَد نسبة البروتستانت في الأول أكبر منها في الثاني رغم أن القيادة ليست لهم. والجدير بالذكر أن الفلسفة السياسية لكلا الحزبين تقوم على الليبراليين والمحافظين الذين يتوزعهم "الديمقراطيون" بنسبة أعلى من الليبراليين" و"الجمهوريون" بنسبة أعلى من المحافظين، وهو أمر يشكِّل قاعدةً أيديولوجية مهمة للقرارات السياسية الداخلية والخارجية. وبهذا تنفرد الولايات المتحدة عن الأنظمة الغربية الديمقراطية التي تتأرجح بين اليمين واليسار التقليديين. أما البعد النظمي فيتمثَّل في دور "أيباك" في الانتخابات وتزويد أعضاء الكونغرس وكبار موظفي الإدارة الأميركية بنشرات وتقارير من بينها "تقرير الشرق الأدنى". وهي بذلك تمارس نفوذاً كبيراً على المشرّعين والإدارات الأميركية المختلفة سواء كانت "ديمقراطية" أم "جمهورية"، بل إنها تسيطر على قنوات الاتصال والتمويل في المؤسسات الأميركية. أما البعد الاستراتيجي فمرتبط بدور إسرائيل كحليف قوي لواشنطن في الشرق الأوسط. فعندما تأسست "أيباك" في منتصف القرن العشرين، كان هناك تردُّد في تقديم الدعم المالي الأميركي لإسرائيل، وذلك بسبب سياسي وهو دور الولايات المتحدة في إقرار حق تقرير المصير وتأسيس الأمم المتحدة. صحيح أن الدعم يتم على مستوى الكونغرس، لكن واشنطن كانت دوماً حريصة على صورتها المختلفة عن الدول الاستعمارية. إلا أن إسرائيل تمكنت بفضل "أيباك" من افتكاك دور أكبر لها، لاسيما مع حرب 1967، حيث أكدت البعد الاستراتيجي الذي تمثله لواشنطن. فقد عملت "أيباك" على جذب انتباه المجتمع السياسي إلى نجاح الدولة الإسرائيلية في المنطقة العربية، فتبلورت العلاقات الأميركية الإسرائيلية بشكل كبير واتضحت المكانة الاستراتيجية للدولة العبرية. وتوطدت العلاقة أكثر لأن الاستراتيجية الأولى للولايات المتحدة، كانت خلقَ تحالفات إقليمية وعالمية لاحتواء النفوذ السوفييتي. وبنهاية الحرب الباردة برزت مصالح أميركية حيوية في المنطقة منها تأمين الموارد الطبيعية والأسواق تحت غطاء نشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب. ومن خلال هذه الأبعاد استطاعت "أيباك" التمهيد لتحالف استراتيجي بين الدولتين، باعتبار إسرائيل "مصدر قوة استراتيجية"، وذلك وفقاً للأهمية المتبادلة التي تعني لإسرائيل قدرةَ واشنطن على الحفاظ على المنطقة وإعادة ترتيبها عبر كفّ شرّ أي قوة إقليمية تحاول السيطرة والهيمنة، أما واشنطن فتجد فيها حليفاً استراتيجياً. وحسب "أيباك" فإن قوة إسرائيل كحليف موثوق به جعلت واشنطن تحافظ على النظام في المنطقة دونما حاجة إلى حشد القوة، وهو الدور الذي تسعى "أيباك" إلى أن تلعبه إسرائيل في الخليج أمام إيران حيث لا تملك أميركا حليفاً قوياً مثلها. فإيران تريد الحصول على القدرة النووية لتكون الفاعل الدولي الأهم أو المهم في الشرق الأوسط، وهو ما يمثل تحدياً للدول الفاعلة في المنطقة ومنها إسرائيل. وقد أعلنت واشنطن نيتَها استخدامَ كل الوسائل لإيقاف التهديد الإيراني، وهو ما تريد إسرائيل استغلاله لتلعب فيه دوراً بدأت "أيباك" واللوبي اليهودي عموما تمهد له. ويمكننا حصر الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط، والتي تعبر عن تقاطع مع أهداف إسرائيلية يسعى اللوبي اليهودي ممثلاً في "أيباك" إلى جعلها ذات طابع استراتيجي حيوي، في ما يأتي: أ – بقاء إسرائيل والمحافظة على أمنها وإتمام عملية السلام، فقد التزمت الولايات المتحدة بأمن إسرائيل لفترة طويلة وستبقى كذلك. ب- الحيلولة دون بروز مهيمن إقليمي ذي عقيدة أو أيديولوجية عدوانية. ج- منع انتشار أسلحة الدمار الشامل أو إيجاد معادلة نووية ردعية مركبة. د- الحصول على أسواق المنطقة واستثماراتها من خلال ما تتيحه المنظومة الرأسمالية. هـ- تأمين تدفق الطاقة وإيجاد مصادر جديدة في المنطقة. و- تشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ز- مكافحة الإرهاب لكونه فاعلاً مؤثراً ومنتشراً في الشرق الأوسط. وتندرج هذه الأهداف في المصلحة الحيوية الكبرى للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وهي منع بروز تكتل عالمي عبر فاعل أو فاعلين من الدول الكبرى (الصين وروسيا) بإمكانهم إعادة النظام الدولي إلى الثنائية القطبية أو جعله متعدد القوى. وتسعى واشنطن إلى تحقيق هذه الأهداف من خلال دعم الرادع الإسرائيلي الذي تشكّل بفضل اللوبي اليهودي في واشنطن وعملِه الدؤوب للتأثير في السياسة الخارجية الأميركية بكل الوسائل.