لأول مرة منذ الثورة الأميركية، تخوض الولايات المتحدة حرباً طويلة بقوات تتكون كلها من متطوعين. والضغط الواقع على المؤسسة العسكرية ككل، وعلى كل قطاع من القطاعات الرئيسية للقوات المسلحة على حدة، واضح ولا يخفى على أحد. وعلى الرغم من المخاوف المتعلقة بعدم قدرة نظام التجنيد القائم بأكمله على متطوعين على توفير العدد الكافي من الجنود في زمن الحرب، فإن مستويات تجنيد واستبقاء العسكريين ظلت مرتفعة خلال العمليات العسكرية في العراق والمستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف. وليس ثمة شك في أن القوات العاملة وقوات الاحتياط وقوات الحرس الوطني باعتبارها تمثل القطاعات الثلاثة الرئيسية المكونة للقوات المسلحة الأميركية لم تتمكن من تحقيق أهدافها التجنيدية بالكامل، إلا أن الأوضاع التجنيدية العامة من حيث أعداد الأفراد قد ظلت سليمة، فضلاً عن أن معدلات استبقاء الجنود قد ظلت عالية هي الأخرى. بل إن الشيء الذي بدا واضحاً، هو أن قضاء دورة من دورات الخدمة في منطقة قتالية، يزيد من احتمال استمرار الجنود في الخدمة. وبغض النظر عن الآراء المتعلقة بإدارة وسيرورة الحرب على الإرهاب، فإن مفهوم القوات المسلحة القائمة بالكامل على نظام التطوع قد حقق نجاحاً باهراً بكافة المقاييس. فالمؤسسة العسكرية الأميركية تواصل القيام بعملياتها العسكرية في كل من أفغانستان والعراق، في الوقت نفسه الذي تواصل فيه الوفاء بالتزاماتها في مختلف أنحاء العالم. وعلى الرغم من أن مستويات البطالة قد وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق في أميركا، فإن القوات المسلحة لا يزال لديها عشرات الآلاف من الشباب من الجنسين مسجلون على قوائم الانتظار، تمهيداً للانضمام إلى الخدمة "العاملة". على رغم ذلك، فإن هناك من لا يزال يفتش عن متاعب تعاني منها القوات المسلحة، حتى ولو كانت تلك المتاعب لا توجد في الأصل. فمن بين جوانب الانتقاد الشائعة لنظام التجنيد في القوات المسلحة الأميركية ما جاء في المقال المنشور في الرابع من نوفمبر الحالي في صفحة الرأي بـ"الواشنطن بوست" والذي كتبه "يوي ئي. راينهاردت" الأستاذ بجامعة "برنستون" وقال فيه: "من الأمور المعروفة جيداً أن البنتاجون تعتمد بشكل كبير في سعيها لتوفير الأعداد المطلوبة من الجنود والبحارة ومشاة البحرية على الفئات التي تنتمي إلى النصف الأدنى في المجتمع من حيث مستويات الدخل". ومثل هذه الأقوال، توصل في الحقيقة انطباعاً مؤداه أن الخدمة العسكرية تعتبر هي الخيار الأخير بالنسبة لهؤلاء الذين لا يجدون مكاناً آخر يتجهون إليه، في حين أن الواقع يختلف عن ذلك جد الاختلاف. ففي كل عام ينضم إلى الخدمة العاملة عدد يصل إلى 180 ألفا من الشباب الأميركي من الجنسين، كما يتم تكليف 16 ألفاً غيرهم للعمل كضباط، وينضم عشرات ألوف آخرون إلى "الحرس الوطني" وقوات الجيش الاحتياطي. ويأتي المتطوعون للخدمة العامة من مختلف قطاعات المجتمع الأميركي، ومن مختلف أنحاء البلاد، ومختلف الأجناس والعرقيات، ومن عائلات تنتمي إلى مختلف درجات الطيف الاقتصادي ومختلف مستويات الدخل. ويعني هذا أنهم أبعد ما يكونون عن التركز في أوساط العائلات المحدودة التعليم، والمحرومة اقتصادياً بل إن المجندين العسكريين كما تثبت البيانات يمثلون الفئات الأفضل من بين الشباب الأميركي. وللتدليل على ذلك يكفي أن نعرف أن 90 في المئة من المجندين حاصلون على دبلوم المدارس العليا (الثانوية) على الأقل (مقارنة بنسبة الحاصلين على هذا الدبلوم من الشباب الأميركي بشكل عام والتي تبلغ 80 في المئة). كما يذكر أيضاً أن ثلثي عدد المتطوعين في الخدمة العسكرية يحصلون على درجات تضعهم في النصف الأعلى من الترتيب العام في اختبارات القبول القائمة الموحدة. علاوة على ذلك فإن معدلات اللياقة البدنية للمجندين تفوق مثيلتها لدى الشباب الأميركي بشكل عام، كما أنهم يخضعون ضمن إجراءات تجنيدهم لمعايير صارمة تتعلق بفرز الشخصية. وما يمكن قوله في النهاية وبناء على قراءتنا لنتائج دراسات إحصائية تم إجراؤها بواسطة مؤسسات موثوقة مثل "مؤسسة التراث الأميركي" على سبيل المثال لا الحصر هو أن المجندين يأتون -بنسب متفاوتة- من مناطق ذات مستويات دخول فوق المتوسطة، وأن الوضع كان كذلك قبل الحرب على العراق ولا يزال كذلك اليوم. وفي الحقيقة أن الاحتمال الأكبر هو أن الأفراد الذين تم تجنيدهم أثناء الحرب قد جاءوا من مناطق أكثر رخاء من المناطق التي ينتمي إليها الأفراد الذين انضموا إلى القوات المسلحة قبل اندلاع تلك الحرب. والأفراد الذين يختارون الانضمام إلى القوات المسلحة يفعلون ذلك لأسباب مختلفة: فبعضهم أكثر اهتماماً بالعوامل الاقتصادية من غيرها مثل تدريبات إكساب المهارات والمنافع التعليمية، وبعضهم الآخر أكثر اهتماماً بالسفر والمغامرة. بيد أن السبب الأساسي الذي ينضم الشباب من أجله للقوات المسلحة الأميركية اليوم هو خدمة بلدهم في المقام الأول، أما العوامل الاقتصادية فإنها -على الرغم من أهميتها تتراجع لتحتل مرتبة تالية لذلك. إن نظام التجنيد القائم على التطوع بالكامل مع توفير مستويات تعويض كافية للمجندين، قد ضمن تدفقاً متواصلاً من المجندين الأكفاء لما يزيد عن ثلاثين عاماً. وعلى رغم أن التجنيد في أوقات الحرب يواجه تحديات إضافية، فإن ما رأيناه هو أنه وبعد مرور ثلاث سنوات ونصف على اندلاع الحرب في العراق فإن الروح "التطوعية" لا زالت تلعب دورها في ملء الصفوف بشباب من الجنسين يتمتعون بكفاءات عالية ويخدمون وطنهم لأنهم -في المقام الأول- قد اختاروا أن يفعلوا ذلك. راسل بيلاند ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نائب مساعد وزير البحرية لشؤون تحليل وتقييم القوى البشرية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كيرتس جيلروى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مدير سياسات القبول بمكتب وزير الدفاع الأميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"