أثار زلزال (بام) توقعات بأن من الممكن للمأساة أن تحقق تعاوناً أكبر بين الولايات المتحدة وإيران. وقد كانت فرق الإنقاذ والإغاثة الطبية الأميركية من بين أول الفرق الأجنبية التي وصلت إلى (بام) بعد تلقيها إذناً من الحكومة الإيرانية بدخول إيران على متن طائرة عسكرية أميركية انطلقت من قاعدتها في الكويت. وقبل الحرب على العراق، نشرت الولايات المتحدة كميات كبيرة من مواد الإغاثة في الكويت تحسباً لوقوع أزمة إنسانية كبيرة في العراق فور بدء الحرب. ومن حسن الحظ أنه لم تقع أزمة كتلك، غير أن المعدات التي تم نشرها بقيت في المنطقة وتسنى إرسالها بسرعة كبيرة إلى إيران بعد أن اتضحت ضخامة الكارثة في (بام)·
وكان متوقعاً أن يشعر الناجون من الزلزال بالامتنان الشديد للمساعدات الأميركية. لكن ما كان أقل وضوحاً هو رد الحكومة الإيرانية، المنقسم جداً حول كل المسائل المتعلقة بالولايات المتحدة. وقد كان الرد الإيراني بارداً في بادئ الأمر، حيث توجه الرئيس خاتمي بالشكر إلى الولايات المتحدة على تقديمها المساعدات، غير أنه علّق بقوله إن أي تغيير أساسي في العلاقات الإيرانية-الأميركية من شأنه أن يتطلب المزيد من التغييرات الملحوظة في السياسة الأميركية.
ولفترة قصيرة، كان هناك أمل في ترؤس السيناتور الجمهوري (إليزابيث دول) وفداً أميركياً إلى (بام) للإشراف على عمليات الإغاثة الدولية، نظراً إلى خبرتها كرئيسة سابقة للصليب الأحمر الأميركي، لكن الإيرانيين فرضوا حظراً على الرحلة بحجة أن الأمر بالغ التعقيد. لكن الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني أشار إلى ضرورة بقاء حوار بين البلدين، وهو أمر يوحي بأن من غير الممكن للزعماء الإيرانيين أن يشطوا كثيراً في مناصبة العداء للبوادر الأميركية خشية أن يؤدي ذلك إلى تنفير الشعب الإيراني الغاضب، حيث خرجت إلى السطح قصص في الصحافة الإيرانية الموالية للإصلاحيين تحكي عن النقص المخيف في قوانين البناء في كل أنحاء البلاد التي تستقر فوق واحد من أنشط أحزمة الزلازل في العالم.
ومع انحسار موجة الفزع التي اجتاحت البلاد بسبب زلزال (بام)، بات من غير المرجح أن تكتسب دبلوماسية الزلازل دفعاً قوياً كحدث معني بمسألة واحدة فقط. لكن النظر إلى الصورة الأكثر شمولية للعلاقات الإيرانية-الأميركية يؤدي إلى إدراك وجود بوادر تسوية. ويندرج في هذه الخانة إسراع إيران في توقيع البروتوكول الإضافي الذي فرضته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى السلوك الإيراني التعاوني نسبياً في كل من العراق وأفغانستان وبوادر تشير إلى أن النظام الإيراني يلعب لعبة آمنة ولا يريد أن يتحول إلى هدف رئيس للغضب الأميركي. ومن الممكن أن نعزو سبب ذلك جزئياً إلى القبض على صدّام وإلى تخفيف كثافة هجمات حرب العصابات ضد قوات الاحتلال في العراق. وهناك أيضاَ اعتبار آخر معني بدرجة تعقيد السياسات الشيعية في العراق، وبأن إيران ترى الآن أن أمامها مكاسب أكبر تحققها بالعمل مع المعتدلين من الشيعة من أمثال السيستاني بدلاً من دعم المتشددين من أمثال الصدر. ولإيران مصالح قوية في بقاء العراق دولة تتمتع بمقومات الاستمرار، ولذلك لاتسرّها التقارير التي تتحدث عن سعي الأكراد إلى الحصول على تأييد رسمي لمكانتهم كإقليم شبه مستقل، وهو ما من شأنه أن تكون له انعكاسات قوية على الأكراد المتململين في إيران وسوريا وتركيا.
ومن الممكن أن تكون الأشهر القليلة المقبلة مثيرة للاهتمام الشديد فيما يتعلق بالسياسة الإيرانية، حيث من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية في شهر فبراير·ومن الممكن أن يحقق المحافظون فيها نتائج أفضل بكثير من نتائج الاصلاحيين الذين كان أداؤهم سيئاً على مدى السنوات السبع الماضية. لكن الحضور القوي للمحافظين في البرلمان لا يعني بالضرورة أن يكون برلماناً أكثر رجعية، لا بل إن بعض الإيرانيين يعتقدون بأن الأمور ستكون على النقيض من ذلك لأن جماعة المحافظين التي أعادت تنظيم صفوفها قد تصبح أكثر براغماتية وأقل خوفاً من المبادرات الجديدة التي ستكون-في وقت معين- محتومة ، والتي لا بد من أن تشتمل على الحوار -وربما التقارب أيضاً- مع (الشيطان الأكبر)·
ومن الممكن أن تسنح فرصة أخرى لتحقق التعاون الإيراني-الأميركي عندما يتم اتخاذ القرار النهائي بشأن محاكمة صدّام حسين. وستكون تلك لحظة شديدة الأهمية في تاريخ ومستقبل العراق والمنطقة كلها. وبرغم أن الشعب العراقي نفسه يستحق أن يقدم صدّام حسين إلى العدالة، فإن في الكويت وإيران أيضاً قوائم طويلة تسرد فظائع صدّام ضد الشعبين اللذين لا يتمنيان أن ينساها العالم. وهناك مسألة كيفية مشاركة المجتمع الدولي ودول كإيران باعتبار أن لديها أدلّة على جرائم صدّام، وهي مسألة ما زالت تنتظر الفصل فيها. وما أن يتم تأسيس مجريات المحاكمة حتى يكون للعراقيين والأميركيين مصلحة في إعطاء إيران دوراً من نوع ما، ولو كان يعني مشاركتها بصفة مراقب.
وإلى أن يتحقق ذلك، من المرجح أن تواصل إدارة (بوش) انتهاج م