يوجد الآن قراران أحدهما من جامعة الدول العربية، والثاني من منظمة المؤتمر الإسلامي يعلنان "كسر" الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني. والسؤال هل يعني أصحابُ القرارين قراريهما حقاً؟ وإذا كانوا يعنون ذلك فإن السؤال المطروح هنا: هل يعلمون كيف يمكن كسر الحصار؟ أذكر أنّ وزير الدفاع الأميركي المستقيل، دونالد رامسفيلد خرج في يوم من أيّام عام 2002 يهاجم أحد البنوك الأردنية لأنّه ساهم في حوالات مالية من الولايات المتحدة وصلت إلى "جهات" في العراق. وبحكم عملي في مجال الإعلام قمت بمتابعة هذا الملف وكانت أولى الملاحظات وأغربها لدى قراءة ما كتب في الصحافة الأميركية - أنّ رامسفيلد والتقارير الأميركية الإعلامية ذكرا اسم البنك الأردني مراراً وتكراراً، ولم يذكرا اسم البنك الأميركي الذي تمت الحوالات منه، مع أن المنطق أن البنك الذي أرسل الحوالات هو المسؤول الأول عن معرفة هوية المرسِل والمرسَل إليه، والحد الأدنى من العدالة يقتضي ذكر اسم البنكين. واتضح في النهاية أن المبلغ المقصود لا يتعدى عدة آلاف من الدولارات هي مساعدات لأسر محتاجة، علماً بأن البنوك الأردنية لم يكن لها أي تعامل مع بنوك أو مؤسسات داخل العراق. وهناك الكثير من القصص المعروفة، التي تابعت بعضها عن قرب أيضاً بحكم عملي الإعلامي، حول رجال أعمال وبنوك وشركات اتُهموا اتهامات باطلة أدت لوقف أرصدتهم وتجميدها وإقفال مؤسساتهم، واتضح أنّ بعضها على الأقل بريء مما اتهم به. وقد نشرت صحف قبل أيّام فقط اعتذاراً من مؤلفين أميركيين لرجل أعمال سعودي عن اتهامه بتمويل الإرهاب قبل سنوات. ورغم المحاولات من الجهات الرسميّة العربية للدفاع عن رجال أعمالها ومؤسساتها الوطنية، إلا أنّ ما استطاعت هذه الدول فعله محدود جداً. والآن فلنتذكر أنّ السبب الرئيسي في رفض البنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية القيام بالحوالات النقدية المطلوبة، ليس قرارات أو قبولاً من جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن لأنّها تعلم أنّها إن قامت بذلك ربما تكون تقوم بنوع من الانتحار الذي لا يجدي الفلسطينيين. فالنظام المصرفي هو نظام عالمي لا تتحكم به البنوك العربية، وإذا قررت الإدارة الأميركية أن تعاقب أي بنك بوقف تعاملاته الدولية، وتجميد أرصدته عالميّاً، فإنها تحكم عليه بالإعدام، وقد سبق لها فعل ذلك، لذا فإن كسر الحصار يتطلب تأمين حماية للبنوك والشركات. والبنوك العاملة في المناطق الفلسطينية والقائمون عليها لا يقلون وطنيّة وإخلاصاً ورفضاً للحصار عن أي أحد، ولكنهم يرفضون الانتحار المجاني. إنّ الدول الأوروبية واللجنة الرباعية، باستثناء، الطرف الأميركي، تعلم بالنتائج السلبية للحصار لا على الفلسطينيين فحسب، بل وعلى مجمل الاستقرار في المنطقة، وقد قال أكثر من دبلوماسي وسياسي غربي وعربي، إنّ الطرف الأوروبي، يستغرب في الأحاديث الخاصة، ضعف التحرك العربي للعمل على فك الحصار، ويضاف لذلك طبعاً، وللإنصاف، غيبوبة الدبلوماسية الفلسطينية، الغارقة في الأزمات والخلافات الداخلية. إذا ما استعدنا التحرك الدبلوماسي العربي النشط إبّان الحرب الإسرائيلية على لبنان مؤخراً، يمكن أن يتضح نمط التحرك الدبلوماسي العربي المطلوب لفك الحصار عن الفلسطينيين، فإذا كانت قرارات كسر الحصار صادقة، فإنه يجب أن نرى تحركاً على مستوى وزراء خارجية مهمين في المنطقة للتواصل مع اللجنة الرباعية، وفي الأمم المتحدة، لفك الحصار عن الفلسطينيين، سواء نجحت مبادرة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية أم لا، فالتهدئة غير المسبوقة، وضبط النفس غير المسبوق، الذي تقوم به الفصائل الفلسطينية المختلفة، ومن ضمنها حركة "حماس"، التي تقود الحكومة الراهنة، يمكن أن يشكل القاعدة المناسبة للتحرك العربي. وعدا عن التحرك الدبلوماسي الفاعل، الذي يبدو بمثابة الخيار المنطقي، لا توجد آلية لكسر الحصار إلا أن يتم نقل الأموال عبر السياسيين العرب أنفسهم، أو بحلول جديدة من نوع صرف الرواتب للأشخاص فوراً، وهي بالعموم حلول كانت مستخدمة قبل دخول السلطة الفلسطينية أثناء إقفال البنوك في المناطق المحتلة منذ العام 1967.