من الملاحظ بوضوح أن إشكاليات التعليم في الصحافة المحلية، تتفوق من حيث المساحة التي تشغلها على باقي القضايا الوطنية الأخرى؛ بما فيها قضية الخلل في التركيبة السكانية. ووسط هذا التفوق البارز في التغطية الإعلامية الممتدة على مدى أسابيع، فإن أردنا تقسيم أخبار التعليم بين الجيدة والسيئة، فإن النوع الثاني من تلك الأخبار هو الغالب، فلا يكاد يمر يوم دون أن نجد مشكلة تعليمية، سواء كان خبراً أو رأياً. بل باتت أسماء بعض مسؤولي وزارة التربية والتعليم، من كثرة ظهورهم في وسائل الإعلام، تنافس في شهرتها وصيتها نجوم كرة القدم والتلفزيون من كثرة ترديد وسائل الإعلام لتصريحاتهم، بمناسبة وبدون مناسبة، حول التطوير والدفاع عن نظام الثانوية العامة الجديد وبما أثاره من جدل مجتمعي بين مؤيد ومعارض! ومن خلال متابعتي الشخصية، فقد استمعت إلى العديد من آراء طلبة الثانوية العامة في الإذاعات المحلية "البث المباشر" وهم يسجلون ملاحظاتهم على نظام التقويم الجديد، كما تابعت الانتقادات التي وجهت إلى النظام التعليمي في الصحف المحلية وقرأت أيضاً الدفاع المستميت لمسؤولي الوزارة عن موقفها. وأكثر ما لفت انتباهي من بين كم كبير من المواد المنشورة رسالة طالبة مواطنة تدرس في استراليا، بعثت بها إلى أحد الأعمدة في صحيفة محلية وذكرت في رسالتها أن هناك غياباً تاماً للأولويات في مجال التعليم وأن أخطر ما نعانيه في هذا الشأن هو الاعتماد في التخطيط على خبراء من خارج الميدان التعليمي. ربما المفاجأة، في وسط هذا الجدل حول التعليم، كانت في خبر نشرته صحيفة محلية الأسبوع الماضي، يفيد بأن وزارة التربية والتعليم نظمت حفلاً لتكريم مندوبي وسائل الإعلام المحلية! نعم، الوزارة كرمت الإعلاميين بالفعل بحضور قياداتها، أما المناسبة فلا أعرف، ولا أعتقد بأن كثيرين غيري يعرفون، سر هذا التوقيت الغريب للتكريم؛ فلا العام الدراسي انتهى مثلاً، ولا الحفل جاء ضمن تكريم لقيادات الوزارة شمل الصحفيين، ولذا لم أجد ما يجعلني أفهم مناسبة "تكريم السلطة الرابعة ". البعض يهمس بأن التكريم وسط هذا الجدل والانتقادات التي تصب على نظام الثانوية العامة بشكل خاص والنظام التعليمي بشكل عام، قد يؤثر ولو نسبياً في موقف الصحافة إزاء هذه الموضوعات، على اعتبار أن تكريم الصحافيين من قبل وزير التربية والتعليم جاء في ذروة إبراز السلبيات في كثير من القرارات التعليمية، وبالتالي فقد فهم البعض أن الوزارة تسعى بذلك إلى امتصاص موجة الانتقادات بالتكريم. وإذا كان هذا التكريم جاء بلا مناسبة، فإن الأمر يبدو غريباً في أن يتم تكريم الصحافيين على أداء مهامهم، بل ربما يكون الأولى بالإشادة والتكريم هي الجهات التي أهلت المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها، من دون هدف أو غرض شخصي، بحكم أن هدفها في هذه الحالة هو دعم الإعلام وأجواء الحريات وتحفيز الصحفيين على أداء عملهم، وبخلاف ذلك يصبح التكريم مثار تساؤلات منطقية ومشروعة. أحياناً تتراجع الشفافية والموضوعية ومستوى الالتزام بعناصر وشروط التغطية المهنية لقضية ما إذا ارتبط الصحفي بالمسؤول، وقد لا أبالغ إذا قلت إن الصحفي قد يقع تحت ضغط الحرج الناتج عن التكريم الذي يتحول إلى عامل ضغط وتأثير معنوي ربما يصيبه بالشلل أو يشعره بالتردد، يحيد بسببها عن الحقيقة أو يغيبها أو على الأقل يضعها في سياق غير موات، ناهيك عن كونه لا يستطيع أن يقدم رأياً أو موقفاً في القضية. طبعاً صحفيونا بعيدون تماماً عن هكذا اعتبارات. لكن القاعدة أن المسؤول لا يريد من الصحافة إلا المديح أو الأخبار الجيدة، أما الصحفي الناجح فدائماً ما يبحث عن "المسكوت عنه"، وعما يجب أن يكون، مبتعداً عن البيانات الرسمية وصحافة مكاتب العلاقات العامة، قدر الإمكان، وصحافة "الإيميلات" و"الفاكسات"، وبالتالي من الصعب التقاء المصالح بين المسؤول والصحفي. وإن كان من الضروري التقاء الأهداف، باعتبار أن الطرفين يعملان في خدمة الوطن والمصلحة العامة. محمد خلفان الصوافي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ sowafi@hotmail.com