ترددت كثيراً قبل أن أكتب عن التطورات الراهنة في لبنان، سواء لأنها تبدو بالغة التعقيد، وتحتاج كي تتم معالجتها على نحو سليم إلى تعمق بالغ في فهم ما يجري، أو لأنني أحسب نفسي ضمن معسكر المقاومة وحلفائها، ومع ذلك فلدي بعض ملاحظات حول طريقة إدارة هذا المعسكر للأزمة الراهنة في لبنان. ظاهرة مقاومة الاحتلال في وطننا العربي عموماً، سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق، تمثل نقطة الارتكاز في الرد على دعاوى الخنوع والقبول بالتبعية، وأساساً للأمل في مستقبل أفضل لأمتنا وللعالم كله، فهي الرد الفاعل الوحيد على محاولات الهيمنة، وهي القادرة على سد الثغرات التي يخلفها الأداء المتعثر والمنكفئ للنظام العربي الرسمي في مواجهة المخاطر التي تحدق به من كل حدب وصوب. في هذا الإطار كان إنجاز المقاومة اللبنانية في عام 2000 وبإجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من الجنوب اللبناني بعد احتلال دام اثنين وعشرين عاماً، إنجازاً تاريخياً بحق، سواء لأنه يمثل نموذجاً فذاً لإدارة ناجحة للصراع مع إسرائيل خارج منطق "الخيار الاستراتيجي الوحيد"، أو لأنه أثبت أن قانون التحرر الوطني ما زال فاعلاً حتى في زمن العولمة التي حذر الكثيرون من دعاة الانكفاء من أنه لا سبيل أمامنا إلا التسليم بها وقبول قواعد اللعبة فيها كما تُملى علينا. في هذا الإطار أيضاً يمكن أن نضع صمود المقاومة الفلسطينية وقدرتها على إحداث تغيير -ولو جزئي- في سلوك إسرائيل كما حدث على سبيل المثال بإجبارها على الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك مستوطناتها هناك في عام 2005، وفيه أيضاً لابد أن نفهم المقاومة العراقية وتطورها إلى الحد الذي انعكس على نتائج الانتخابات النصفية الأخيرة للكونجرس الأميركي، والتي كان العراق وما يحدث فيه من تعثر للسياسة الأميركية هاجسها الأول. غير أن العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في يوليو/ أغسطس الماضيين، مثل نقطة الذروة في إنجازات المقاومة العربية، فقد صمدت قوى المقاومة اللبنانية لأكثر من شهر أمام عدو همجي تختل موازين القوة بينه وبين المقاومة بكل المقاييس، وكبدته خسائر فادحة، ومنعته من تحقيق هدفه الاستراتيجي، فلم يتمكن سوى من إلحاق الدمار بالبنية التحتية اللبنانية وإحداث خسائر في الأرواح تجاوزت الألف شهيد، أما هدفه التكتيكي (تحرير الجنديين الإسرائيليين اللذين أسرهما "حزب الله") أو الاستراتيجي (القضاء على "حزب الله" كقوة مقاومة ومن ثم إلحاق ضرر بالغ بمكانته السياسية)، فقد كان الإخفاق الذريع من نصيب الدولة العبرية في هذا المجال. خرج "حزب الله" من العدوان أقوى مما كان عليه لبنانياً وعربياً، وكما كانت لخصومه تحفظات على انفراده بقرار العملية الفدائية التي ظُن أنها السبب في العدوان -ولم تكن كذلك بالتأكيد وإنما كانت مجرد ذريعة- فقد كان للحزب تحفظاته العديدة على أداء "قوى الأكثرية البرلمانية" ومن ثم الحكومة الممثلة لها والتي يشارك فيها "حزب الله" نفسه، مع حركة "أمل" الحليفة له، ونتيجة لهذا كله تبلور هدف "حزب الله" في إدارة الأزمة الراهنة في تشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة العجز الذي انطوى عليه أداء الحكومة الحالية في لبنان، ناهيك عن أن حقائق الواقع اللبناني باتت تفرض ميزاناً جديداً للقوة يفترض فيه، من وجهة نظر "حزب الله" وحلفائه، أن يكون لهم بموجبه على الأقل "الثلث المعطل" في مجلس الوزراء. ووفقاً لتصريحات السيد حسن نصرالله، فإن عدم الاستجابة لهذا المطلب سيفضي إلى النزول للشارع في إعمالٍ لحق التظاهر السلمي للضغط من أجل تحقيق هذا الهدف. وقد كان، وتعثر الحوار، وتطورت الأمور بحيث استقال وزراء "حزب الله" وحركة "أمل" من مجلس الوزراء، كما هو معلوم. وبما أن "التيار الوطني الحر"، حليف "حزب الله"، كان خارج مجلس الوزراء أصلاً، فإن المسألة بدت وكأنها خروج للوزراء الشيعة من مجلس الوزراء، مع أن الصراع الداخلي في لبنان بات سياسياً بامتياز. وقد تعقدت الأزمة باعتبار أن المجلس بات على هذا النحو فاقداً للشرعية السياسية، طالما أن طائفة مهمة، كشيعة لبنان، لم تعد ممثلة فيه. وهكذا تهيأت الأجواء لفكرة اللجوء إلى الشارع، إعمالاً لحق التظاهر السلمي. وقد أكد حسن نصرالله أكثر من مرة أن عملاً كهذا سيتحلى بأعلى معايير الانضباط، وألا خوف من فتنة أو اقتتال أهلي في لبنان، ومما أعطى صدقية لما قاله، أن سلاح المقاومة لم يستخدم أبداً في الصراع الداخلي اللبناني، وأن سلوكها عبر السنين اتسم بانضباط صارم، ومع ذلك فإن تعقد الأوضاع الراهنة في لبنان وفي المنطقة عامة، يجعل المرء يتمنى أن يتوقف التصعيد السياسي من قبل معسكر المقاومة عند حد استقالة وزرائها من الحكومة؛ فكل ما سبق من تصرفات يمثل حقاً طبيعياً: سواء كان ذلك انتقاد أداء الحكومة الراهنة، ومن ثم المطالبة بحكومة وحدة وطنية، أو استقالة الوزراء الخمسة، حتى لا يكونوا غطاءً لسياسات لا يرضون عنها. لكن ليأذن لنا السيد حسن نصرالله أن نبدي بعض التخوف من أن التصعيد اللاحق ينطوي على مخاطرة عالية محتملة. كاتب هذه السطور يثق ثقة مطلقة في نوايا المقاومة وسلوكها، غير أن المسألة لا تتعلق بها وحدها، فهناك الخصوم الداخليون الذين تتسق مصلحتهم مع إظهار اللجوء إلى الشارع باعتباره عملاً يفضي إلى أَضرار بالغة بلبنان، وقد لوح بعضهم بالفعل بأن جهات معينة سوف تلجأ إلى اغتيالات سياسية لمفاقمة الموقف، كأنما يحرض على وقوع أعمال كهذه. ولاشك أن ثمة احتقاناً في الشارع اللبناني ينذر باحتكاكات جماهيرية قد يتسع نطاقها، لاسيما أن قوى محلية وإقليمية وعالمية تسعى لذلك سعياً حثيثاً، وهنا سيسارع خصوم المقاومة إلى اتهامها بأنها، كما كانت السبب في تدمير البنية التحتية في لبنان، ها هي تدمر استقراره من جديد، ولاشك أن مثل هذه الاتهامات قد تجد من يستمع إليها في ظل الركود الاقتصادي والشلل الحكومي الراهنين، وقد يفضي هذا إلى خسارة المقاومة تأييد بعض الذين التفوا حولها بحق أثناء العدوان في الداخل اللبناني، كما نلاحظ بكل أسف أن معركة المقاومة الداخلية في لبنان الآن لا تحظى بالزخم الجماهيري العربي نفسه الذي حظيت به أثناء القتال وهذه طبيعة الأمور. ناهيك عن أن جوقة التفكيك، قد تجد فيما يحدث الآن فرصة للعزف على وتر الطائفية. كُتبت هذه السطور قبل إلقاء خطاب السيد حسن نصرالله الذي قيل إنه سيحدد فيه موعد النزول إلى الشارع، وكم يتمنى المرء أن يتوقف التصعيد السياسي من قبل معسكر المقاومة عند حد استقالة وزرائها التي لا يجادل فيها أحد، وأن تبقى الأمور بعد ذلك في إطار الحوار السياسي وسعي المقاومة إلى تثبيت واقعها السياسي الجديد وتقويته في الساحة اللبنانية، انتظاراً لانتخابات قادمة مبكرة أو في موعدها، ذلك أن التظاهر السلمي وإن كان حقاً مشروعاً، إلا أن الاحتكام إلى صناديق الانتخابات يبقى مهمة واجبة الترسيخ في واقعنا العربي. ولبنان هو أقدر الدول العربية بتراثه الديمقراطي، على أن يكون له السبق في هذا المجال. وكما صبرت المقاومة سنين طويلة حتى دحرت العدو الخارجي، فإنها مطالبة اليوم بالصبر شهوراً من أجل بناء لبنان جديد وفق النهج الديمقراطي السلمي.