"اغتصاب رئيس الدولة الإسرائيلية موشيه كاتساف لإحدى موظفاته تهمة.. أما اغتصاب فلسطين مش تهمة"؟! ربما تكون هذه الكلمات التي تضمنها كاريكاتير برشية أحد الفنانين العرب، هي أبلغ ما يمكن أن يقال عن الازدواجية واختلاط المعايير في كيان دخيل كإسرائيل. ومن المعلوم أن كاتساف لم يكن المتهم الأول من بين القادة الإسرائيليين بقضايا الفساد على اختلاف أنواعها... ومن المؤكد أنه لن يكون الأخير. فمن قبله، لاحق القضاء الكثير من القادة والمسؤولين الإسرائيليين، وحتى لا يمتلئ المقال بأسمائهم وأشكال فسادهم، يمكن الإشارة فقط إلى بعض هؤلاء، وعلى رأسهم سلف كاتساف، وهو عايزر وايزمن واضطراره للاستقالة في يوليو 2000 بسبب فضيحة تهرب من الضرائب وفساد. ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون المتهم بتلقي رشوة عن طريق ابنه جلعاد من مقاول إسرائيلي كان ينوي بناء منتجع سياحي في إحدى الجزر اليونانية، وتلقيه في عام 1999 المال من يهودي في جنوب أفريقيا، لاستخدامه في تمويل حملته الانتخابية آنذاك. وأيضاً الحكم على وزير الحرب الأسبق الجنرال إسحاق مردخاي بالسجن 18 شهراً مع وقف التنفيذ في عام 2001 بتهمة الاعتداء الجنسي على موظفة في وزارته، وملاحقة القضاء لرئيس حزب "الليكود" الحالي بنيامين نتانياهو حيث اشتبه في أنه أراد تسديد تكلفة أعمال ترميم أجراها في منزله الخاص من أموال دافعي الضرائب، وأنه حاول حيازة هدايا تلقاها بصفته رئيساً للوزراء في حين يفترض فيه أن يعيدها إلى الدولة. كما أن هناك العديد من المسؤولين السياسيين حالياً تدور حولهم تحقيقات قضائية؛ منهم وزير العدل السابق "حاييم رامون" (المتهم بأنه قام بتقبيل موظفة في وزارته رغماً عنها)، وليس آخرهم رئيس الوزراء الحالي أولمرت الذي فتح تحقيق جنائي بحقه حول التعيينات السياسية التعسفية المفترضة التي قام بها حين كان وزيراً للتجارة والصناعة بين عامي 2002 و2003. ورغم أن الفساد يوجد أينما وجدت السلطة والقوة، فإن المتتبع للوضع في إسرائيل يجد أن الحياة العامة فيها والمجبولة بالخوف من كل ما يحيط بها هي "حياة ذكورية"، و"دلائل الرجولة" لديهم أضحت جزءاً من "حالة الحرب الرائجة للأمة"، كما يقول المؤرخ مايكل أورين في "الإندبندت" البريطانية. وهو ما تشير إليه كذلك "دينا كرافت" في تقرير لها من تل أبيب نشرته قبل أيام الصحيفة ذاتها بعنوان "صفاقة الفحولة الإسرائيلية بمواجهة القانون"، تقول فيه "إنه ولعقود، تم غض النظر عن شائعات تفيد بأن بعض أهم ضباط الجيش الإسرائيلي ووزراء في الحكومات المتعاقبة، يعتبرون أن إقامة علاقات جنسية مع موظفات الحكومة والمجندات حق شرعي لهم"! بل كتبت تقول نقلاً عن إحدى السكرتيرات في الجيش: "عندما كنت في الجيش كان مفترضاً أن مكتب أي من كبار الضباط هو أيضاً مكان لحريمه". ومع ذلك يرى الكثيرون في سلسلة هذه القضايا أمراً طبيعياً تعانيه أية دولة في العالم، ويعتبرون أن مجرد اتهام رأس الدولة والتحقيق معه هو الطريق لإيجاد الحل وتأكيد على "ديمقراطية إسرائيل"! غير أن البعض الآخر أكثر تشاؤماً، فالبروفيسوران "يسرائيل أومان" و"أهارون تشاحنوفر"، يقران في حديث لصحيفة "يديعوت أحرونوت" (27-10-2006) بـ"تدهور القيم واضطراب الروح وأفولها..."، فإسرائيل في نظرهما "تسير في الاتجاه غير الصحيح وتنجر في الظلمة نحو هلاك محتمل، ليس بسبب أعدائنا الخارجيين، وإنما بسببنا نحن الشعب وقياديينا أو من يدعون القيادة". وأضاف العالمان: "لدينا قيادة تعيش كل الوقت تحت علامة استفهام أخلاقية، والجمهور لا يثق بها". لقد حفز استشراء الفساد في إسرائيل بعض الأحزاب السياسية، على اختلاف توجهاتها، على طرح هذه القضية في العلن. فخلال محاكمة عومري (ابن شارون) قالت النائب "زهافا غلؤون" في كلمتها أمام الكنيست: "يقال إن السلطة المطلقة مفسدة مُطلقة، ولهذا فالامتحان ليس بوجود أو عدم وجود فساد، وإنما الامتحان في وجود أجهزة ومؤسسات تحارب هذا الفساد، وهل هذه المؤسسات والأجهزة تعمل عندنا؟". وأضافت غلؤون: "الفساد السياسي في إسرائيل واضح، فالجميع يراه، وأقصد بكلامي ثلاثة أنواع من الفساد: الامتيازات الحكومية، الرشوة، والتعيينات السياسية... وهذا الفساد منتشر بدءاً من رئيس الحكومة ومروراً بالوزراء وأعضاء الكنيست وكبار الموظفين... كل هذا يؤدي إلى أن تكون الشرطة وسلطة القضاء مشلولة بصورة تامة". وعليه فثمة من يرى أن إسرائيل دولة قائمة على نسبة فساد عالية، وهو ما خلص إليه تقرير للبنك الدولي رفضت معظم الصحف الإسرائيلية نشره حين صدر في أغسطس 2005، معتبراً أن نسبة الفساد في المؤسسات الرسمية الإسرائيلية فاقت النسبة المقبولة في الدول المتقدمة، حيث وصلت إلى 8.80%، بينما في الدول الغربية لا تزيد عن 4.91%، مما وضع إسرائيل في أسفل سلم الدول الغربية، وعلى رأس قائمة الدول الأكثر فساداً في مجموعة الدول المتقدمة... كما اعتبرها بأنها من الدول الأكثر خطورة من حيث عدم تطبيق القانون والفلتان الاقتصادي وتأصل ظاهرة الفساد في المؤسسات الأهلية والحكومية والخاصة على حد سواء. وكانت صحيفة "هاعولام هازيه" أفادت بما مضمونه أن الفساد رافق الدولة الإسرائيلية منذ قيامها، و"الكنيست" يتصدر برلمانات العالم من حيث تدني مستوى أخلاق أعضائه، وتورط عدد كبير منهم بارتكاب جرائم أخلاقية ومسلكية، وتلقي رشاوى، والقيام بعلميات ابتزاز. ووفقاً لمصادر إسرائيلية مختلفة، فإن هذه الجرائم لا ترتبط فقط بسوء الأحوال الاقتصادية وتدهورها وانتشار البطالة وتدني مستوى المعيشة... كما يروج بعض آخر من المحللين والباحثين الإسرائيليين، وإنما هي متجذرة في المجتمع الصهيوني نتيجة عدم التجانس والانسجام بين أفراده نظراً لتعدد الجهات واختلاف البلدان التي قدموا منها، وتباين البيئات التي عاشوا فيها سابقاً قبل غزوهم فلسطين، وعدم قدرة الكثيرين منهم على التكيف والتأقلم مع الحياة الجديدة، خاصة أن الفساد يستشري بصورة أكبر في الشرائح العليا من المجتمع التي تملك السلطة والنفوذ في الدولة. ومن جهته، قال البروفيسور "تشاحنوفر" لـ"يديعوت أحرونوت": "كل شيء يبدو هنا بلا قيم... كل شيء مؤقت، والخلل يتم ترقيعه أو طلاؤه، لكن الطلاء سيزول مع هبوب رياح قوية"... ويؤكد "أوري أفنيري"، رئيس "كتلة السلام" اليسارية، ذلك بقوله: "من المتعارف عليه أن رئيس الدولة يمثل القاسم المشترك الأعلى لكل مواطني الدولة، ولذلك فمن الحري به أن يمثل هذه الميزة أيضاً. وبالفعل، فمن الصعب وصف وقاحة أكثر تجسيداً من السلوك الحالي الذي ينتجه الرئيس موشيه كاتساف. إنه المثل الأعلى للوقاحة الإسرائيلية". هذا عن الدولة الصهيونية (حيث تجري، رغم كل شيء، مقاضاة ومحاسبة أعلى المسؤولين)، فماذا عنّا نحن في الدول العربية؟