قد يكون الرئيس الأميركي وأركان إدارته، صادقين في تأييدهم لرئيس الوزراء اللبناني في نهجه وإدارته لأزمتي الحرب وما بعدها، إلا أن هذا الدعم الأميركي لا يعطي في مثل هذه الأيام، سوى نتائج عكسية ترتد سلباً على المدعوم. وقبل فؤاد السنيورة تمتع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورؤساء الحكومات العراقية بمثل هذا الدعم، لكنهم عانوا أيضاً من عقمه أو غبائه، خصوصاً أنه غالباً ما يصنف الرجال ولا ينصفهم، والأسوأ أنه لا يساعدهم على تجاوز المحن التي يتخبطون فيها. وأكثر ما يؤخذ على هذا الدعم أنه عموماً لا يستند إلى سياسة واضحة ومتوازنة وحكيمة، بل ربما يستند إلى لا سياسة، أما إذا وجدت السياسة فإنها تكون عادة نقمة على المستفيد المفترض منها. إذ أن نصائح واشنطن أو شروطها، ظهرت على الدوام كوصفات مبرمجة لإرباك أصدقائها أو إغراقهم. الواضح الآن، أن الولايات المتحدة ورّطت حلفاءها والمراهنين عليها من اللبنانيين، عندما جرتهم في بداية الحرب إلى تصديق أن إسرائيل ستنجز "المهمة" في لبنان خلال أيام. وطالما أن حرباً كانت ستقع في كل الأحوال، ولم يكن لهم يد في تدبيرها أو كلمة في تقريرها، فالأحرى أن يتهيأوا للاستفادة من نتائجها. أما وقد انتهت الحرب من دون حسم واضح فإنها خلّفت وضعاً لبنانياً بالغ التأزم، بل مفتوحاً على أسوأ الاحتمالات. كل الملفات الداخلية والخارجية باتت خاضعة للتعقيدات الجديدة التي ترتبت من جراء حرب لا يعتقد أحد أنها انتهت، وإنما هي مستمرة، وقد تستأنف بوسائل وأشكال شتى، وفي أي وقت. لكن الاحتمال الأرجح ينذر للأسف، بصراعات لبنانية لا تزال في بداياتها، بل بمزيد من الإضعاف للدولة، فالذين كانوا قبل الحرب يطالبون برأس الحكومة، لأسباب أهمها غير معلن ويتعلق بأجندة "إقليمية" أي سورية، يتأهبون اليوم لإطلاق ما يسمونه "انتفاضة" لإسقاط هذه الحكومة بسبب ما يعتبرونه تواطؤاً أو حتى خيانة حصلا خلال السعي إلى وقف الحرب. المشكلة ليست في بقاء الحكومة أو رحيلها، وإنما خصوصاً في أزمة الحكم التي ستنشأ وقد تترك البلد بلا إدارة، وهو ما يبدو أنه هدف محركي خيوط الصراعات الراهنة. وعلى رغم أن الفرز السياسي كان مستحكماً قبل الحرب إلا أنه ازداد حدة بعدها، مرتكزاً إلى نتائجها الكارثية، وبالأخص إلى الاستحقاقات الصعبة التي فرضتها، وأبرزها سلاح "حزب الله". كان قد ساد اعتقاد بأن هذا الاستحقاق أمر داخلي، لكنه لم يكن يوماً كذلك، على رغم أن المقاومة وسلاحها وجدا لحاجة داخلية، هي إزالة الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء كبيرة من الجنوب اللبناني. ما فعلته الحرب، أنها أوضحت بل كرست، تدويل هذا الاستحقاق. ومع ذلك تبقى تلبيته وتنفيذه على عاتق الداخل، وهو ما لا يستطيعه الداخل إلا بالتوافق، وهذا التوافق بات متعذراً إن لم يكن مستحيلاً. ومثلما أن هناك ضغوطاً خارجية، أميركية وأوروبية وإسرائيلية، للشروع في إجراءات نزع سلاح "حزب الله"، فإن ضغوطاً مقابلة سورية وإيرانية تمانع التعرض لهذا السلاح، وتعتبره خطاً أحمر يحمي نفوذ هاتين الدولتين ومصالحهما. وهكذا فالمطلوب من الحكومة اللبنانية أن تنفذ هذا المطلب الدولي (الداخلي) لتحصل على مساعدات تمكنها من معالجة نتائج الحرب، وبسبب الممانعة الداخلية ستتهدد المساعدات الدولية، وبالتالي ستقع الحكومة في العجز عن مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب. هذا التعقيد، لا يعني سوى أن الصراع الدولي في لبنان مرشح للاستمرار وبحدة، لكنه يعني خصوصاً، أن جميع الأطراف ستجعل من الحكومة هدفاً لها، بـ"دعمها" لتلبية الشروط الدولية أو بإسقاطها للحؤول دون تنفيذ تلك الشروط، ولأغراض أخرى منها منع قيام محكمة دولية للنظر في جريمة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وبالتالي فإن لبنان سائر إلى مأزق يفتقد فيه دور أي طرف ثالث كان يفترض أن يكون عربياً، إلا أن الانقسامات العربية تعطله.