أحد أبعاد الأزمة العربية الراهنة الانسداد السياسي، وتوقف مسار التاريخ ودوران الزمان، والعجز عن الحركة، وانتظار فعل الآخرين لإحداث رد فعل مبالغ فيه مثل ردود الأفعال حول الرسوم الساخرة أو الأفلام أو البرامج التلفزيونية التي تسخر من حضارتنا أو غياب رد الفعل مطلقاً كما هو الحال في أنهار الدماء التي تسيل كل يوم في فلسطين والعراق، والمظاهرات العارمة كرد فعل على حرق منبر المسجد الأقصى والسكون التام أمام احتلال مدينة القدس نفسها، والأقصى جزء منها، ومنبره جزء من الجزء. وأحد أسباب هذه الأزمة غياب زمام المبادرة عند العرب. والمبادرة فعل حر، انبثاق الحياة وطفرة فيها بمصطلحات الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، وهي فعل حدسي وإدراك مباشر ورؤية وكشف وإلهام بلغة الصوفية. هي انتفاضة الوجود، والتحول من الثبات إلى الحركة، ويقظة الوعي والتحول من النقل إلى الإبداع. هي قفزة من الكم إلى الكيف وعبور المستويات غير المتصلة بلغة كيركجارد. هي التقدم والرقي والطفرات في الطبيعة حيث يصعب وجود حلقات مفقودة بين الجماد والنبات، والنبات والحيوان، والحيوان والإنسان، والإنسان والملاك، بلغة التطور الخلاق. وهي الثورات في تاريخ الشعوب بعد أن تتوقف عن الحركة، ويطول عمر النظام والمياه الجوفية تسيل من تحت أقدامه لا يراها. يتهمها أنصار الوضع القائم بأنها خبل وجنون وحمق. والجنون فنون. والحق هو تاريخ الجنون منذ بترارك في "مدح الجنون" حتى فوكو في "تاريخ الجنون". وتـُتهم بأنها مقامرة ومخاطرة غير محسوبة العواقب. لم تحظ بالموافقة عليها من النظام بورقة رسمية عليها ختم النسر. وهي مبادرة يقوم بها الأفراد والجماعات والشعوب، أفعال فردية وجماعية وشعبية وطنية. يزخر التاريخ بها. الأفعال الفردية قد تكون أحياناً أفعال الأبطال والقادة العظام، رمسيس الأول مدافعاً عن مصر بعربته الحربية ضد الغزاة من الهكسوس مصلياً لـ"الإلهة" حورس، والإسكندر الأكبر الذي زحف من أوروبا إلى آسيا، ومن اليونان حتى بلاد الهند والسند، ومن أثينا حتى أواسط آسيا مبشراً بالحضارة اليونانية، وفي رأي بعض المسلمين داعياً إلى التوحيد. وهو –حسب هذا الرأي- ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم، من أجل تكوين إمبراطورية شاملة يحكمها العقل وتـُمارس فيها الفضيلة طبقاً لتعاليم أرسطو المعلم الأول. وهو القائد القرطاجني هانيبال عابراً البحر الأبيض المتوسط، وصاعداً جبال إيطاليا حتى يستولي على روما في الصراع الأبدي بين روما وقرطاجنة، بين أوروبا وأفريقيا، بين الشمال والجنوب، وليس فقط بين الفرس والروم بين كسرى وقيصر، بين الشرق والغرب. وهو صلاح الدين قاهر الصليبيين الذي وحد مصر والشام وانتصر عليهم في حطين بعد أن طهَّر الجبهة الداخلية من الخانعين والمستسلمين بدعوى السلام والمحبة مع الأعداء، وغلق زواياهم الدينية حتى لا يمثلوا طابوراً خامساً، وطعن الأمة من الخلف بأيديولوجية الهزيمة والاستسلام بدعوى عالمية الإيمان وعولمة الروح. وهو كرستوفر كولمبوس الذي اعتمد على خرائط المسلمين ونظرياتهم في كروية الأرض للالتفاف حول العالم عبر البحار، والانتقال من أوروبا إلى آسيا، ومن الغرب إلى الشرق عبر المحيطات كمد استعماري ثانٍ بعد أن فشلت الطعنة الصليبية الأولى عبر المتوسط، فلسطين عن طريق الغزو البري. وهو محمد علي مؤسس مصر الحديثة، هذا الجندي الألباني الذي حضر إلى مصر مع الجيش التركي دفاعاً عن مصر ضد الغزو الأوروبي، فحول مصر بإدراكه إمكانياتها الجغرافية والتاريخية وقدراتها المادية والبشرية إلى دولة عظمى في القرن التاسع عشر تقف أمام أعتى الجيوش الأوروبية دفاعاً عن مصر وريثة تركيا في الخلافة المنهارة، وليحكم من القاهرة بدلاً من إسطنبول. وهو عبدالناصر الذي شارك في الحركة الوطنية المصرية في الأربعينيات وتكوينه حركة "الضباط الأحرار" أثناء حرب فلسطين في 1948، وكرد فعل على هزيمة الجيوش العربية بالقضاء على الممارسات الفاسدة، وتحويل مصر إلى مركز للتحرر الوطني في العالم العربي والعالم الثالث كله، وقيامه بتأميم القناة في 1956 بعد أن رفضت الولايات المتحدة الأميركية تمويل السد العالي في 1954. ورأى أمامه ديليسبيس جديد على وجه "أوجين بلاك" مدير البنك الدولي الذي يعرض أمامه شرط التمويل وهو الدخول في "حلف بغداد"، والتفريط في الاستقلال الوطني. وتقوم بالمبادرة جماعات المقاومة، والتنظيمات السرية بشق سراديب تحت الأرض للإمداد بالسلاح ولممارسة حرب العصابات ومباغتة قوات العدو، جنداً وعتاداً من حيث لا تشعر، فتقضي النملة على الفيل، ويقضي الفأر على الأسد كما حدث في حرب فيتنام ضد القوات الأميركية، من فلاحين بسطاء في مواجهة أعتى جيوش العالم عدة وعتاداً. كذلك فعلت المقاومة في جنوب لبنان، على الكيان الصهيوني بخيال عسكري وإبداع ميداني، الفرد في مواجهة "ميركافا" المصفحة، الدبابة زهرة الجيش الإسرائيلي. وكما فعل كاسترو في 1958 بمجموعة من المقاومين لإسقاط أعتى نظام تسلطي، نظام باتيستا. وهكذا أيضاً فعل ماوتسي تونج في "المسيرة الطويلة" من قلب الريف زحفاً على المدن حتى العاصمة بكين، وهروب "تشان كاي تشيك" إلى جزيرة فرموزة. وهو ما تقوم به المقاومة الفلسطينية والعراقية الآن. وتقوم به أيضاً الشعوب والجيوش الوطنية كما هو الحال في الحرب العالمية الثانية وتحرير أوروبا من الغزو النازي والفاشي وكما فعل مونتوجمري في معركة العلمين ضد روميل في حرب الصحراء. وهو ما فعله الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973 بعبوره القناة وشق الساتر الترابي بمدافع المياه بعد أن ظن العدو الصهيوني أن مصر قد ذهبت إلى غير رجعة، وماتت دون بعث أو نشور. ومازالت هنالك دول ونظم شعبية صامدة، دفاعاً عن الاستقلال الوطني وممارسة حرية الإرادة الوطنية، ترفض الدخول في بيت الطاعة. فقد العرب زمام المبادرة لتوقف الخيال السياسي باسم الواقعية والحكمة السياسية، وبدافع الحذر المبالغ فيه، والبيروقراطية الوظيفية، وحساب المكْسب والخسارة على الأمد القصير، و"تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها". غاب الخيال السياسي لحل أزمات العرب في السودان وفلسطين. وبعد هزيمة يونيو- حزيران 1967 واتهام العرب أميركا بالتدخل عن طريق الطيران الأميركي لمساندة القوة الجوية الإسرائيلية وبيان بطلان هذا الاتهام، أجاب موشيه ديان بأنه وضع خطته بناء على حدود الخيال العربي. فإسرائيل تمتلك أربعمائة طائرة أطلقتها كلها للقصف الجوي لمطارات "العدو" ولم تترك طائرة واحدة في سمائها للدفاع كما تقتضي بذلك الكتب العسكرية والمذكرات المحفوظة، نصف القوات الجوية للهجوم والنصف الآخر للدفاع. وكان باستطاعة العرب بطائرة واحدة الدخول إلى سماء إسرائيل المفتوحة ودك مطاراتها ومدنها. ويبدو أن عقدة 1967 مازالت في اللاوعي العربي توجهه وتخيفه وتحذره من المواجهة. ولم يمحها انتصار 1973، ولا المقاومة في جنوب لبنان، ووقف غزو بيروت في 1982، وتحرير الجنوب في 2000، ودك المدن الإسرائيلية في 2006. توقف العرب عن أخذ زمام المبادرة لتوقف الطموح العربي. فقد انتهت المشاريع الكبرى التي حملها العرب منذ فجر النهضة العربية حتى الدولة العربية الواحدة، حلم الخمسينيات والستينيات. وانتهى الإحساس العربي بالمثال والتصدر. ونسوا قول أبي فراس الحمداني: ونحن أناسٌ لا توسُّطَ بيننا لسنا الصدرُ دون العالمين أو القبرُ بل انتهت المبالغة العربية: إذا بلغ الرضيعُ لنا فطاماً تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا وكان الفارس العربي يبني قصره وحصنه في قمم الجبال وليس في السهول. فقد بعض العرب الإحساس بالأمانة والرسالة. رضوا بالدنيا دون الآخرة، حرصوا على الحياة، وكرهوا الموت والشهادة. لم يعودوا يلتزمون بشيء أمام النفس وأمام الناس وأمام الله. وهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. تبلدت الحواس لدى البعض إلى درجة الخيانة والمساومة مع العدو على الأخ العربي. بل إن بعض المساعي العربية وهي صياغة جيدة لقرار الأمم المتحدة 242 وقرار 338، ومبادرة روجرز، واتفاقيات مدريد وأوسلو، "الأرض في مقابل السلام" ماتت في مهدها. فقد أتت من موضع ضعف وليس من موضع قوة، استجداء للحق من الغير، وبقوى دولية وليس بقوى ذاتية. ويعرف العدو أنه لا بديل عنها. فماتت في مهدها. فمتى يستعيد العرب زمام المبادرة لتحريك الزمن وتغيير مسار التاريخ؟