تحتل دولة الإمارات مرتبة متأخّرة بين الدول الخليجية في ما يتعلّق بمعايير "الحوكمة" الاقتصادية، ما يتطلّب الإسراع في سدّ هذه الثغرة، بعد أن أصبحت هذه المعايير من أهم العوامل التي تسهم في تغيير الأنشطة الاقتصادية إلى الأفضل، حيث تستوجب مرحلة الازدهار الاقتصادي الذي تعيشه الدولة حالياً التطبيق الفاعل لمعايير "الحوكمة" بهدف الحفاظ على استمرارية هذا النمو. انتقل مفهوم "الحوكمة" Governance، من السياسة إلى الاقتصاد، حيث عرّفته الأوساط العلمية، بأنه الحكم الرشيد الذي يتم تطبيقه عبر حزمة من القوانين والقواعد التي تؤدي إلى الشفافية وسيادة القانون في عمل الشركات. وخلال السنوات الأخيرة أخذ عدد من الدول العربية في الاهتمام بتطبيق المبادئ الأساسية لـ"حوكمة" الشركات. ولا يمكن بالطبع فصل أسس "الحوكمة" عن المناخ العام الذي تعمل فيه الشركات، إذ إن "حوكمة" الشركات ليست سوى جزء من محيط اقتصادي أكثر ضخامة تعمل في نطاقه المنشآت، والذي يضمّ، على سبيل المثال، سياسات الاقتصاد الكلّي ودرجة المنافسة في أسواق المنتج، والبيئة القانونية والتنظيمية. تضاف إلى ذلك عوامل، مثل: أخلاقيات الأعمال، ومدى إدراك الشركات بالمصالح البيئية والاجتماعية للمجتمعات التي تعمل فيها الشركة. وفي تقرير صدر عن معهد التمويل الدولي لقياس معايير "الحوكمة" في الدول الخليجية، وهو التقرير الأول من نوعه، تميزت سلطنة عُمان عن سائر هذه الدول بتطبيقها 70% من المعايير الدولية لـ"الحوكمة"، تلتها كل من السعودية والكويت بنسبة 50%، بينما حلّت كل من الإمارات والبحرين في الترتيب الرابع بين الدول الخليجية بنسبة 40%، وأخيراً قطر (35%). ولاحظ التقرير أن هناك متغيرات عدة يمكن أن تسهم في دفع عملية تطوير "حوكمة" الشركات في الدول الخليجية، منها استفادة السلطات المسؤولة من حركة تصحيحات الأسعار لتحديث بعض القوانين، كما أن ظاهرة الإصدارات الأولية العامة تمنح فرصاً للمسؤولين لتطوير مسودات القوانين الجديدة المزمع تطبيقها. ولاحظ التقرير أن "بورصة أبوظبي" أصدرت بالفعل قانوناً إلزامياً لـ"حوكمة" الشركات، يتوقع أن يدخل حيّز التنفيذ مطلع العام المقبل من خلال ثلاث مراحل، بحيث تركز الأولى على تطوير الشفافية، والثانية على تطوير حقوق الأقلية، وستهدف المرحلة الثالثة إلى تقليص القيود على الملكية. وتعتبر "الحوكمة" الجيدة للشركات من أهم العوامل التي تغير الأنشطة الاقتصادية إلى الأفضل، ويبدو واضحاً أن التنمية الاقتصادية في دولة الإمارات أصبحت تواجه تحديات خاصة تتجاوز في طبيعتها الجوانب المالية والاقتصادية والتقنية لتشمل أيضاً المسائل المتعلقة بكفاءة إدارة و"حوكمة" الاقتصاد، خاصة بعد أن تقلص دور النفط في الدخل القومي للدولة من 90% قبل عقدين من الزمن إلى 30% الآن حالياً. وفي أحد تقاريره الصادرة هذا العام، يؤكد "صندوق النقد الدولي" أن هناك ثلاثة شروط يجب توافرها لجعل الاستثمار الخاص في دولة الإمارات يتجاوب بقوة مع كفاءة إدارة و"حوكمة" الاقتصاد وهي: استقرار الاقتصاد الكلي، ومرونة أسعار الصرف، ونظام "حوكمة" خاص بالشركات يضمن توفير مناخ مواتٍ للاستثمار ويخضع لتنظيمات فعالة تعزز التنافسية. كما أن الدولة مطالبة بتخفيف اعتمادها على قطاع الشركات العامة غير المجدية وعلى إدارة عائدات النفط بصورة فعالة على المدى البعيد. فقطاع الشركات العامة كبير جداً، كما أن معظم الصناعات غير النفطية الكبرى في يد القطاع العام، وتعتمد على الدعم الحكومي من أوجه عدة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.