يدور الحديث في العقد الأخير حول ثقافة السلام والتي هي امتداد حقيقي لبحوث السلام Peace Research التي برزت باعتبارها فرعاً متميزاً من فروع علم العلاقات الدولية، وذلك في الحقبة التي بدأت بنهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. ولم تعد الدعوة لثقافة السلام مجرد خطاب يتبناه عدد من المثقفين المعادين للحرب والداعين لحل الصراعات الدولية بالأساليب السلمية، ولكنها تحولت منذ عام 2000 إلى مذهب من المذاهب المعتمدة في الأمم المتحدة. وهي في ذلك تتبع نفس الطريق الذي اتبعته الدعوة لحوار الحضارات بعد، أن ألقى الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودعا فيه إلى نبذ دعوات "صراع الحضارات"، وأكد على أهمية "حوار الثقافات". وقد أصدرت الأمم المتحدة عقب هذا الخطاب الذي ووفق عليه بالإجماع قراراً أن يكون عام 2001 هو عام "حوار الحضارات". وبطريقة مشابهة أصدرت الأمم المتحدة قراراً باعتبار ثقافة السلام مبدأ من المبادئ التي تعتنقها، وفي ضوء ذلك صدرت إعلانات متعددة، وعقدت ندوات ومؤتمرات عديدة. وفي سياق هذا النشاط العالمي أعلن قيام حركة سوزان مبارك الدولية من أجل السلام وسجلت في جنيف. وعقدت الحركة عدة ندوات دولية مهمة لتأكيد فكرة ثقافة السلام في مواجهة ثقافة الحرب بكل صورها وأنماطها المتعددة، سواء على مستوى الخطاب أو على صعيد السلوك الفعلي للدول والجماعات المتصارعة. وقد انتقلت هذه الحركة من المجال العالمي إلى المجال المصري والعربي، من خلال عقد ندوات ومعسكرات عربية ومصرية ودولية لتأكيد قيم ثقافة السلام. ومن هنا برز سؤال يفرض نفسه: هل يمكن لثقافة السلام أن تسود في عالم زاخر بالصراعات والحروب؟ وبالنسبة لنا في العالم العربي، هل هناك مستقبل لثقافة السلام يتمثل في ترسيخ جذورها وسيادة قيمها، وفاعلية آلياتها لتغيير اتجاهات الناس والتأثير على سلوكهم الفعلي؟ وتبرز أهمية هذا السؤال من الوقائع والأحداث الوحشية التي تدور في العراق كل يوم كرد فعل للغزو العسكري الأميركي للعراق، بالإضافة إلى إرهاب الدولة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، ومؤخراً في الحرب البربرية التي شنتها إسرائيل ضد الشعب اللبناني بزعم قتال "حزب الله" وتصفية قواعده العسكرية. هذه التساؤلات المشروعة لا يمكن أن تجد إجابات عليها إلا بالتتبع التاريخي لنشوء بحوث السلام في علم العلاقات الدولية. وهذا المبحث العلمي نشأ كما أكدنا في صدر المقال عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد تأمل الكوارث المروعة التي أحدثتها بالنسبة لتدمير المدن ومصارع ملايين من البشر. وكان أول رد فعل بعد نهاية الحرب هو تأسيس الأمم المتحدة لتكون الهيئة المنوط بها -من خلال مجلس الأمن- الحفاظ على السلم العالمي. غير أنه على مستوى المفكرين والعلماء الاجتماعيين برزت جهود رائدة لمحاربة ثقافة الحرب وتأكيد ثقافة السلام. وفي المجال الأكاديمي تم تأسيس مبحث خاص عن بحوث السلام، وكان الهدف منه أساساً هو السعي إلى منع نشوب الحرب على مستوى النظرية وعلى صعيد التطبيق في نفس الوقت. وعبر الزمن تعددت المدارس العلمية الخاصة بمبحث بحوث السلام في العلاقات الدولية، وانعكس ذلك على مجالات البحث والتدريس في الجامعات. وكان الهدف المعلن من هذه البحوث منع نشوب الحرب وحل الصراعات بالوسائل العلمية ومنع استخدام أسلحة التدمير الشامل وفي مقدمتها القنبلة الذرية، بعدما شاهد العالم كله كارثة إلقاء القوات المسلحة الأميركية القنابل الذرية على كل من نجازاكي وهيروشيما في اليابان لإنهاء الحرب. غير أنه بالإضافة إلى الجهود الأكاديمية برزت جهود مجموعات واسعة من العلماء والمفكرين في مقدمتهم برتراند راسل وألبرت أنيشتاين، الذين كونوا حركة "باجواش العالمية للسلام العالمي" (وباجواش هي قرية كندية صغيرة صدر فيها أول إعلان عن قيام الحركة). وقامت هذه الحركة بجهود خلاقة في حقبة الحرب الباردة للتقريب بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأميركية، ولعب عدد من المفكرين المصريين أدواراً بارزة في نشاطات هذه الحركة. وعبر الزمن تبلورت فكرة ثقافة السلام لتتجاوز حدود بحوث السلام بمعناها التقليدي والتي كانت تهدف إلى منع نشوب الحرب، لتصبح ثقافة السلام دعوة فعالة تهدف إلى تأكيد القيم الإيجابية للتعايش الإنساني، والنظر إلى الثقافات المتنوعة في العالم باعتبارها مصدر إثراء للتنوع البشري الخلاق إذا استخدمنا لغة "اليونسكو" في الكتاب الشهير الذي أصدرته بنفس العنوان، وقام "المجلس القومي للثقافة" بالقاهرة بترجمته ترجمة ناصعة. ومن هنا يمكن القول إن ثقافة السلام تهدف إلى تغيير اتجاهات البشر للقضاء على النزعات العدوانية ونقد ما يمكن تسميته "ثقافة الحرب" وترسيخ قيم احترام الآخر من خلال حوار فعال بين الثقافات بدلاً من الدعوات العنصرية للصراع بين الحضارات. وحركة سوزان مبارك الدولية من أجل السلام حركة متطورة في الواقع لا تنطلق فقط من مجموعة مبادئ حاكمة تمثل منهجها في الدعوة لحل الصراعات بالوسائل السلمية فقط، ولكنها من خلال الممارسة تطور آليات عملها، وهي على وعي كامل بأهمية صياغة مفهوم عربي لثقافة السلام، لا يتصادم بالضرورة مع المفاهيم الدولية في نفس المجال، ولكن في نفس الوقت يتميز عنها، بصدوره عن مجموعة من المبادئ المستقرة في الوعي العربي العام. وأول هذه المبادئ هو ضرورة التفرقة بين الحروب الظالمة والحروب العادلة. فالحرب الإسرائيلية على لبنان -على سبيل المثال- حرب ظالمة، في حين أن حرب أكتوبر 1973 التي شنتها مصر ضد إسرائيل حرب عادلة، لأنها هدفت في المقام الأول إلى تحرير الأرض المصرية من الاحتلال. وثاني هذه المبادئ هو التفرقة العربية المستقرة بين المقاومة والإرهاب. فهناك إجماع عربي بين كل من النخبة والجماهير على أن مقاومة الشعوب ضد الاحتلال ووفقاً لمبادئ الأمم المتحدة مشروعة، في حين أن الإرهاب أياً كانت جنسيته أو نوعه أو أهدافه غير مشروع. والمبدأ الثالث يتمثل في نقد واضح وصريح لإدانة الحركات الإرهابية التي تتمسَّح بالإسلام والإسلام منها براء، سواء وجهت عدوانها ضد الشرق أو الغرب. والمبدأ الرابع والأخير ضرورة احترام الخصوصية العربية والإسلامية على أساس أن تكون نسقاً حضارياً مفتوحاً على العالم يأخذ ويعطي، وليس نسقاً حضارياً مغلقاً يقوم على أساس التمجيد المبالغ فيه للذات والتهوين المتعصب من شأن الآخرين. لعل فيما تقدم إجابة على السؤال الذي طرحناه في البداية عن إمكانية أن تسود ثقافة السلام في زمن الصراع. والمفهوم العربي للسلام ينبغي أن يبنى على أساس مفهوم "الأمن الإنساني" وهو مفهوم أخذ يذيع استخدامه في الوقت الحاضر في دوائر الأمم المتحدة وفي الدوائر الفكرية بشكل عام. وهو في الواقع مفهوم مركب لأنه يتضمن التأليف بين عدة مكونات أساسية، في مقدمتها ضرورة تحقيق التنمية المستدامة التي تحفظ حقوق الأجيال القادمة بالمعنى الشامل للكلمة، وبالإضافة إلى ذلك -وبناء على خبرة القرن العشرين عموماً وخبرة المجتمع العربي خصوصاً في فترة نصف القرن الأخيرة- ليست هناك تنمية حقيقية بغير تحقيق الحرية السياسية من جانب والعدالة الاجتماعية من جانب آخر. ولاشك أنه يمكن بكل يقين التأكيد على أنه لا ديمقراطية بغير عدالة اجتماعية، ولا عدالة اجتماعية بغير ديمقراطية. وبالإضافة إلى ذلك لابد من تطبيق مبدأ الأصالة الحضارية بشكل مفتوح وخلاق. بمعنى عدم الانسياق وراء الإيديولوجيات الاستهلاكية السلبية التي سادت في المجتمعات الغربية، ورفض أنماط السلوك الغربية التي تكشف عن انحدار حقيقي في القيم الأصيلة الإنسانية، واصطناع منهج نقدي فيما يتعلق بعمليات الاقتباس الفكري والحضاري واسعة المدى التي شقت طريقها في العالم العربي منذ احتكاكه بالغرب واكتشافه لحجم التخلف العربي ومقدار التقدم الغربي. ومما يؤكد صدق هذا التوجه أنه حتى في الغرب يعاد التفكير في مسلمات نظرية التقدم، في ضوء صياغات جديدة لها. غير أن صياغة مفهوم عربي لثقافة السلام مشروع فكري وحضاري مفتوح يحتاج إلى جهود فكرية متعمقة، تعتمد على تأصيل عدد من المفاهيم الأساسية التي يمكن أن تستند إليها هذه الرؤية. وهي مفاهيم أصبحت محل جدل عالمي كبير بحكم انقلاب عديد من الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية نتيجة للممارسات المتعددة للعولمة.