في الاجتماع الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، أثار هوجو شافيز الرئيس الشعبوي الفنزويلي، قهقهات المجتمعين وضحكاتهم، بوصفه للرئيس بوش بـ"الشيطان"، وقوله إنه لا يزال يستطيع شم آثار البارود والكبريت من تلك المنصة التي ألقى منها بوش خطبته النارية "العدوانية". ولكن الواضح أن شافيز ربما كبَّدته "رعونته" تلك، الحملة الرامية إلى نيل بلاده عضوية مجلس الأمن الدولي، مع العلم بأنها الحملة التي نظمها وأطلقها هو على صعيد عالمي. وهناك من المعلقين على سلوك شافيز داخل الاجتماع المذكور، من أبدى مخاوفه من أن ينقل الرئيس الفنزويلي، مثل ذلك السلوك غير المحسوب إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، بكل ما يعرف عنها من كياسة ورزانة في السلوك. هذا وتشكل الدول النامية أغلبية مقدرة بين الـ192 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وهي سريعة الاستجابة لأي نداءات مضادة لواشنطن في الكثير من الأحيان. لكنها وعلى رغم ذلك، تقدر دور الأمم المتحدة وتحسب له ألف حساب، لكونها المنبر الذي يسمع صوتها من خلاله. ولذلك فقد أجمع الكثير من المؤيدين والمعارضين لفنزويلا بين هذه الدول، على أن شافيز ربما يكون قد أخطأ التقدير، وسعى لتحويل الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى منبر يمارس من خلاله دعايته ضد الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي يتوقع فيه انعقاد الاجتماع التالي للجمعية العامة يوم الأربعاء المقبل، للتصويت على الدولة التي ستشغل مقعد الأرجنتين الذي شغر للتو في مجلس الأمن الدولي، فإن الاعتقاد السائد الآن في أوساط الكثيرين هو أن ترشح فنزويلا لهذا المقعد قد أضحى الآن من باب الأمر الميؤوس منه. وليس أدل على ذلك من اتفاق سفراء الدول –خلال الخمس وثلاثين جلسة من الجلسات التي عقدتها الجمعية الأسبوع الماضي- على جواتيمالا –الدولة الثانية المنافسة لفنزويلا على المقعد- على رغم عدم توفر الضمانات الكافية لحصولها على أغلبية ثلثي أعضاء الجمعية العامة، المطلوبة للحصول على المقعد الشاغر. وفي تعبير ذي دلالة سياسية، قال "إيفو موراليس" -الرئيس البوليفي وأقوى حلفاء شافيز السياسيين في القارة اللاتينية- إن حليفه طلب منه ترشيح بوليفيا كبديل آخر محتمل لفنزويلا في المقعد، فيما إذا أخفقت الجهود التي يبذلها هو للحصول عليه. غير أن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الفنزويلية، قال إن ذلك لا يمثل سوى خيار واحد، بين عدة خيارات لا تزال تدرسها بلاده. وعلى أية حال، فإن قرار انتخاب دولة ما لهذا الشاغر، لا يزال بيد دول أميركا اللاتينية وبلدان منطقة الكاريبي في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبل. وحتى هذه اللحظة، فقد فوجئ الكثيرون بضآلة النتائج التي حصدتها كراكاس في الاجتماع السابق للجمعية العامة، وجاءت حصيلتها مخيبة لآمال الكثيرين من مؤيديها والمتحمسين لنيلها لذلك المقعد. على أن المتفق عليه هو أن هذا الفشل إنما يعود بالدرجة الأولى إلى أداء رئيسها شافيز. ذلك هو ما أكده "ريوردان رويت"، مدير برنامج دراسات أميركا اللاتينية بجامعة "جونز هوبكنز" بقوله: "لقد كان لحديث شافيز أكبر الأثر السلبي فيما حدث. ذلك أنه في وسع المرء أن يتحدث على ذلك النحو في أميركا اللاتينية، حيث يمكنك إثارة الضحك والقهقهة لدى المستمعين. غير أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، شيء مختلف جداً، بحكم تقيدها بالبروتوكولات والتقاليد الراسخة المرعية". ومن ناحيته قال "إنريك بيروجا"، سفير المكسيك لدى الأمم المتحدة: "إن غالبية الأعضاء في هذه الجمعية، لا تريد لهذا المنبر أن يتحول إلى مكان للسخرية والهزء من ممثلي ورؤساء الحكومات والدول". إلى ذلك أكد سفير آخر –صرح بمعرفته للكثير من الدول التي صوتت ضد فنزويلا، بسبب عدم توازن حديث رئيسها- أن شافيز قد تخطى حدوداً ما كان له أن يتخطاها في كلامه. وهناك من علق قائلاً إنه من المفهوم أن يتراشق شافيز بالعبارات كما يشاء مع الولايات المتحدة خارج الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن أن ينقل تلك التراشق إلى داخل اجتماعاتها، فهذا ما لا يرضاه الكثيرون، بالنظر إلى أن الأمم المتحدة، تمثل البيت العالمي الذي ينتمي إليه الجميع، ولابد من احترامه ومراعاة أصوله وقواعده، بعدم نشر الغسيل القذر فيه تحت كل الظروف والأحوال. يذكر أن هذا المبعوث رفض ذكر اسمه، لكونه يمثل رئيس دولة لاتينية مجاورة لفنزويلا. وارينج هوج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" في الأمم المتحدة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"