حظي "ألكسندر آيه. بيلوف" بشهرة واسعة العام الماضي عندما منحت المنظمة التي أنشأها مكافأة مالية لامرأة روسية اتهمت بطعن سائق تاكسي أرمني حتى الموت. وكانت تلك المرأة قد ادعت أثناء محاكمتها التي غطيت باهتمام مبالغ فيه من قبل أجهزة الإعلام الروسية بأن الرجل قد حاول اغتصابها. وقال ألكسندر "بيلوف" تعليقاً على ذلك:"حسنا فعلت.. لقد خلصت موسكو من مغتصب.. ليس مغتصباً عادياً.. ولكنه مغتصب قادم من الخارج أيضاً". وبعد ذلك مضى "بيلوف" ليؤكد في الحوار الذي أجراه مع محطة إذاعية أن نصف عدد الجرائم الخطيرة التي تُرتكب في موسكو يتم على أيدي مهاجرين. ومن المعروف أن موضوع المهاجرين يشكل جوهر الرسالة التي يحاول "بيلوف" توصيلها، والتي يرجع إليها -حسبما تشير كافة الشواهد- ما يحظى به من شهرة وبروز في المجتمع في اللحظة الراهنة. وآراء "بيلوف" المضادة للأجانب، والتي تتسم بالعنصرية في بعض الأحيان، والتي لا يبذل أي مجهود لإخفائها، نقلت حركته من هامش الحوار السياسي العام في البلاد إلى قلبه. والمشكلة في رأي "بيلوف" تكمن في أن الحاجز بين الروس والمهاجرين الذين ينتمون في غالبيتهم إلى الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفيتي السابق لم يعد حاجزاً حدودياً فقط وإنما هو ديني وعرقي أيضاً. وهو يقول إن هؤلاء المهاجرين شأن المهاجرين في أي مكان في العالم جاءوا بحثاً عن العمل بأعداد كبيرة وهو ما أدى إلى وقوع منافسات واحتكاكات وصدامات عرقية بينهم وبين الروس الأصليين أسفرت عن وقوع 39 حادث قتل. وفي الخامس من شهر أكتوبر ألقى الرئيس بوتين خطاباً ساهم في تأجيج المشاعر المضادة للمهاجرين حين حمل على "التنظيمات شبه العصابية" التي يقوم بعضها على أسس عنصرية والتي تتحكم في تجارة الجملة والتجزئة في روسيا.. وطالب بتنظيم الأسواق من أجل حماية مصالح المنتجين والسكان الروس الأصليين. وكلمات بوتين تجيء صدى للمشاعر التي تم التعبير عنها في وقت سابق في مدينة "كوندوبوجا" وهي مدينة صناعية صغيرة كان قد وقع فيها شجار في إحدى الحانات أسفر عن مصرع اثنين من الروس، مما أثار موجة من الاحتجاجات والفوضى، وأعمال العنف قام خلالها السكان الأصليون الغاضبون بتحطيم بعض المنشآت المملوكة للمهاجرين الشيشان وغيرهم من المهاجرين الذين اضطروا إلى الفرار من المدينة. ومن أبرز الشكاوى التي ترددت عقب تلك الأعمال أن المهاجرين يحتكرون التجارة في أسواق المدينة. وعقب تلك الأعمال ظهر "بيلوف" المُشار إليه أعلاه في "كوندوبوجا" وهو يحمل في يده مكبر صوت وألقى كلمة طالب فيها بطرد الأجانب من المدينة. وفي الحقيقة أن آراء "بيلوف" الذي لا يزيد عمره عن 30 عاماً تمثل صدى لآراء الجيل الروسي الذي نشأ وترعرع في فترة ما بعد سقوط الشيوعية. فعلى الرغم من أن الاتحاد السوفييتي حاول أن يزيل الحدود بين أجزائه –على الأقل رسمياً- فإن سقوطه أعاد تلك الحدود مجدداً، كما وفر الظروف التي سمحت بنشوء جيل روسي جديد ينادي بالقومية الروسية. وحول هذه النقطة يقول "بيلوف" إن "روسيا على الرغم من تنوعها العرقي لم تكن أبداً أرضاً مفتوحة أمام المهاجرين، وإنما كانت إمبراطورية تغزو الآخرين الذين كان عليهم أن يتكيفوا مع القيم الروسية وليس العكس... فروسيا ليست مثل الولايات المتحدة دولة تقوم على المهاجرين وإنما هي دولة تقوم على أساس قومي". والحقيقة أن عودة صعود القومية الروسية في فترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي أنتجت قوميين آخرين.. بعضهم عنصريون يعملون سراً وبعضهم يعمل من خلال تنظيمات دينية واجتماعية، وبعضهم سياسيون مثل فلاديمير جيرينوفسكي المرشح السابق لمنصب الرئيس في روسيا والمعروف بآرائه المناوئة للأجانب. ولكن "بيلوف" الذي ترعرع في موسكو والذي كان ناشطاً في الجماعات المدنية، وعضواً في منظمة "باميات" القومية المتعصِّبة، التي بزغت من بين أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق يؤكد أن القضية التي يدافع عنها لا تقوم على الجنس والعنصر ولكنها تتركز على موضوع واحد فقط وهو الهجرة، وتحديداً الهجرة غير الشرعية، وأن هذا هو السبب الذي دعاه لتكوين منظمته المعروفة باسم "الحركة المضادة للهجرة الشرعية" عام 2002 كرد فعل على الجرائم ذات الطبيعة العنصرية التي وقعت في المدن الصغيرة المجاورة لموسكو فيما بين المهاجرين والسكان الروس الذين لم يستطيعوا السكوت طويلاً على تجاوزات المهاجرين. ولفترة ليست بالقصيرة ظلت الحركة مقتصرة على مجال الفضاء الإليكتروني وتمثل نشاطها في شكل كتابات ومقالات تهاجم المهاجرين والجرائم التي يرتكبونها. وبعد ذلك أصبحت المنظمة أكثر تنظيماً وذلك عندما بدأت في جمع التبرعات والدعم السياسي من الأفراد الذين يعتنقون آراء مشابهة. ويدعي "بيلوف" أن عدد أفراد المنظمة حالياً يبلغ الآلاف، وأن لمنظمته فروعاً في مختلف أنحاء روسيا. يذكر أن "بيلوف" وحركته لم يلاقيا دعماً كاملاً من السلطات الروسية التي قبضت على العشرات من أعضاء المنظمة لقيامهم بتنظيم احتجاجات غير مرخص بها بما فيهم "بيلوف" شخصياً الذي اعتقل لفترة قصيرة في يوليو الماضي. وطلبت المنظمة ترخيصاً بتنظيم مسيرة للوحدة الوطنية ولكن لم تتم الموافقة عليه حتى الآن، (وكانت قد نظمت مثيرة مماثلة من قبل ولكنها اصطدمت بالسلطة على الرغم من أنها كانت قد حصلت على التفويض اللازم بذلك). وقال "بيلوف" تعليقاً على تلكؤ السلطات الروسية في منحه التصريح "إن الكرملين يخشى جميع أنواع الاحتجاجات العامة لأنه يخشى من تحولها إلى ثورة برتقالية"، في إشارة منه إلى الاحتجاجات الحاشدة في أوكرانيا عام 2004 التي أدت إلى الإطاحة بالحكومة التي كانت قد جاءت عقب انتخابات مزورة أجريت هناك. ولكنَّ بيلوف أضاف معقباً على قوله السابق، وفي عبارات تحمل مسحة الغضب والشماتة: "إن الحكومة لا يجب أن تخاف أبداً من شعبها". ستيفن لي مايرز ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "نيويورك تايمز" في موسكو ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"