منذ عامين وبالتحديد في نوفمبر 2004 كتبت في هذه الصفحة مقالاً بعنوان "أعراض فيتنامية: تأملات في النجاح الأميركي في العراق". بدأت المقالة بالتذكير بالتناقض بين إعلان الرئيس الأميركي الحالي انتهاء العمليات العسكرية في العراق في أول مايو 2004 وبين تصاعد الخسائر الأميركية في العراق على مدى الستة أشهر التالية على النحو الذي يذكر بالخبرة الأميركية في فيتنام. مضيت بعد ذلك أعدد أوجه الشبه بين تلك الخبرة وبين ما يجري في العراق، وبالإضافة إلى تصاعد الخسائر عبر الزمن في الحالتين وعدم نجاح كل السبل المتبعة في وقفها أشرت إلى تصاعد المعارضة للحرب في الساحة الأميركية في الحالتين في أوساط النخبة والرأي العام، وإلى ميل البيت الأبيض في الحالتين إلى تحميل مسؤولية الموقف لأطراف خارجية (فيتنام الشمالية والصين والاتحاد السوفييتي في الحالة الأولى وسوريا وإيران و"القاعدة" في الحالة الثانية)، وإلى لجوئه –أي البيت الأبيض- في الحالتين إلى زيادة أعداد القوات بدلاً من مراجعة السياسة، وأنهيت المقالة بالقول: "ما أشبه الليلة بالبارحة! وما أقرب الشعب العراقي إلى أن يعيد للشعب الأميركي خبرته الأليمة في فيتنام"! حدث هذا في الوقت الذي كان أي حديث عن الشبه بين خبرة السياسة الأميركية في فيتنام وبين ما تواجهه من أوضاع في العراق يُقابل من الدوائر الرسمية الأميركية بالاستخفاف والسخرية والاستنكار، وبعد عامين بالتمام والكمال أدرك الرئيس الأميركي صحة المشابهة وأقر باحتمال مشابهة الوضع في العراق للوضع في فيتنام وذلك عندما سئل يوم الأربعاء 18/10/2006 عما إذا كان الصحافي توماس فريدمان محقاً عندما شبه في صحيفة "نيويورك تايمز" الهجمات الحالية التي تتعرض لها القوات الأميركية في العراق بالهجمات التي شنتها قوات "الفيت كونج" والجيش الفيتنامي الشمالي ضد القوات الفيتنامية الجنوبية والأميركية في يناير1968، والتي اعتبرتها قوات "الفيت كونج" وفيتنام الشمالية انتصاراً كبيراً لها شكل تحولاً في مسار الحرب. ورد بوش على السؤال بقوله: "يمكن أن يكون على حق". لم تكن المشابهة التي أجريتها قبل عامين بين الوضع في فيتنام والوضع في العراق من بنات أفكاري، وإنما كانت مستمدة من دروس الخبرة التاريخية، ومعتمدة على أقوال عديد من أفراد النخبة الفكرية والسياسية والعسكرية الأميركية الذين تمكنوا بسهولة من أن يروا أبعاد المشابهة ودلالاتها، فما الذي يجعل رئيس الدولة العظمى في العالم –بكل ما يفترض فيه من سلامة الفهم وحسن الإدراك ناهيك عما يحيط به من مستشارين متخصصين- يفهم الأمور على هذا النحو البطيء؟ ويسير في الطريق ذاتها التي سارت فيها بلاده دون جدوى منذ أكثر من ثلاثة عقود، ويحملها بخسائر مادية هائلة أشد أبعادها وطأة هو تلك الخسائر البشرية التي تحدث أثراً بالغاً في الساحة السياسية الأميركية، ناهيك عن الخسائر التي سببها للآخرين والتي تكفي نظرة واحدة لما يجري في العراق لكي ندرك مدى فداحتها وجسامتها والمعجزات التي نحتاجها كي نواجه آثارها المأساوية على الصعيدين المعنوي والمادي معاً، وأي خطر يتهدد العالم حقاً إذا كانت قرارات القوة العظمى الأولى –إن لم تكن الوحيدة- فيه تتخذ على هذا النحو من الاستخفاف بدروس الماضي وسوء التقدير للعواقب؟ غير أن الأخطر من سوء الفهم هو انقطاع الصلة بين "الفهم المتأخر" وبين ما يجب القيام به من مراجعة جادة للسياسات التي سببت هذا النوع من الكوارث للجميع. في البدء قد يتصور المرء أن هذا "الفهم المتأخر" يمثل نقطة بداية لمثل هذه المراجعة الجادة، فها نحن نسمع عن لجنة ترأسها شخصية بوزن جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق في عهد جورج بوش الأب، وتتكون اللجنة من عشرة أعضاء من الحزبين "الجمهوري" و"الديمقراطي" شكلها الكونجرس بدعم من إدارة الرئيس جورج بوش، ويتوقع أن توصي بتغيير في الاستراتيجية الأميركية في العراق تحدثت التقارير عن أن خياراته تتركز في عدد من البدائل سوف تطرحها اللجنة وأولها انسحاب على مراحل من العراق، وثانيها التركيز على الاستقرار أكثر من بناء الديمقراطية وفتح قنوات دبلوماسية مع سوريا وإيران، وثالثها خيار تقسيم العراق إلى مناطق تتمتع بحكم ذاتي واسع للأكراد والسُّنة والشيعة في العراق. يعزز احتمالات المراجعة أيضاً ما ذكرته مصادر موثوقة من أن "الجيش الإسلامي" وهو أكبر الفصائل المسلحة في العراق يخوض منذ حوالي أسبوع محادثات سرية مع وفد أميركي في عمان يشترك في جانب منها ممثلون عن جبهة "التوافق" السُّنية بالإضافة إلى زعامات عشائرية، وقد يدخل في باب مؤشرات المراجعة أيضاً ما أفادت به صحيفة "الفاينانشيال تايمز" في الثامن عشر من الشهر الجاري من أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً على الحكومة العراقية لإصدار عفو "شامل ومؤلم" عن المتمردين في البلاد على أمل أن يؤدي هذا إلى تطبيع الأوضاع في العراق على الرغم من وجود معارضة شديدة للاقتراح في كل من واشنطن وبغداد، ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله: "ليس هناك عفو ناجح إذا لم يكن مؤلماً وشاملاً". يبدو ما سبق كله إذن مؤشرات لمراجعة واجبة في السياسة الأميركية يفترض أنها تبنى على الفهم المتأخر الذي توصل إليه الرئيس الأميركي بخصوص ما يجري في العراق، غير أن المرء سرعان ما يدرك أن هذه المراجعة لا تعدو أن تكون أضغاث أحلام، فالناطق باسم البيت الأبيض توني سنو يؤكد في الوقت نفسه (18/10/2006) أن ارتفاع الخسائر في صفوف القوات لن يؤدي إلى إعادة النظر في استراتيجية واشنطن: "الاستراتيجية هي الفوز... وهذا أمر له تكلفته"، وهو ما أكده نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في مقابلة مع مجلة "تايم" بقوله "نحن لا نبحث عن استراتيجية للخروج. إننا نتطلع إلى نصر"، ووزير الدفاع الأميركي الذي وصفه الجنرال بيتر بايس رئيس الأركان الأميركي منذ أيام قليلة بأنه يتحرك "بإيحاء من الله" يعلن في اليوم نفسه أن البنتاجون يدرس وسائل زيادة أعداد جنوده لخفض الضغط الناجم عن الحرب في العراق، ويؤكد أن الجيش الأميركي لديه قوة يستحيل معها أن يخسر الحرب على العراق، وإن أشار إلى أن تحقيق النصر سيحتاج في نهاية الأمر إلى حلول سياسية. وأخيراً فإن البيت الأبيض على لسان الناطق باسمه توني سنو قد رفض كافة البدائل التي تحدثت تقارير صحفية عن أن لجنة بيكر تنوي التقدم بها. ووصف التقرير الذي نشرته صحيفة "واشنطن تايمز" وأوردت فيه أن إدارة بوش تجري تصحيحاً للنهج في العراق بأنه "هراء". وعلى ذلك يبدو واضحاً أن ثمة سقفاً لما يمكن أن تقبله إدارة بوش من توصيات لجنة بيكر وأن الاتصالات "بالمتمردين" أو الضغط من أجل العفو عنهم لا تهدف إلى إشراكهم في تقرير مستقبل العراق وإنما تحييدهم في الصراع الدائر. هكذا إذن تتحدد أبعاد المعضلة الأميركية في العراق: فهمٌ –وإن جاء متأخراً للغاية- لما تنطوي عليه الأوضاع في العراق من مشكلات تذكر بالخبرة الأليمة للسياسة الأميركية في فيتنام، وإصرار على الالتصاق بالأساليب التقليدية التي أوصلت الأوضاع إلى ما هي عليه الآن في العراق وانتهت قبل ذلك بأكثر من ثلاثة عقود بهزيمة كاملة للولايات المتحدة في فيتنام. لقد بدأ الرئيس الأميركي "يفهم" حقيقة ما يجري في العراق بعد أكثر من عامين على إعلانه انتهاء العمليات العسكرية فيه فهل يتعين علينا أن ننتظر عامين آخرين لكي نرى القوات الأميركية تهرول خارج العراق أو على الأقل إلى ملاذ آمن داخله على نحو ما يذكرنا باللحظات الأخيرة للوجود العسكري الأميركي في فيتنام؟