اتخذ العالم قراره من كوريا الشمالية التي رفعت راية النصر بعد أن نجحت في اختبار قوتها التدميرية لنفسها أولاً ثم للعدو المتربص بها وفقاً للنظريات التي تؤمن بها. هناك انطباع أقرب إلى الهوس عندما تظن بعض الدول الفقيرة والتي أعلنت دخولها إلى العالم النووي من أقوى أبوابه، بأنها قد وصلت بذلك إلى قمة العالم وأن لها الآن الكلمة المطاعة، إلا أن الواقع الذي يمارس على الشعوب من تلك الأنظمة يقول العكس وإن كان همساً في كثير من الأحيان. ما الذي أعاد كوريا الشمالية إلى سطح الأحداث بعد أن خفت صوتها بين حزمة المشاكل التي تتصدر عناوين الأخبار العالمية والمعروفة لدى الجميع ومن أهمها العراق، فلسطين، الصومال، وإيران التي تنتظر سلسلة العقوبات لاقتدائها بالنموذج الكوري الشمالي وحرصها وإصرارها على الدخول ولو عنوة إلى النادي النووي. ترى ما هي الإغراءات التي تدعو دخول بعض الدول التي دفعت المليارات من خزائنها إلى هذا النادي النووي مع أن كل إمكانياتها تشير إلى أن أوضاعها الاقتصادية تضعها تحت خط الفقر، بل إن عمودها الفقري اقتصادياً وسياسياً مصاب بالهشاشة إلى درجة أنها لو انقطع عنها الحبل السري للمعونات الخارجية لرفعت أصواتها بالويل والثبور على المتسببين في إعاقتها. وكوريا الشمالية ليست استثناء، وبمقارنتها مع أختها الجنوبية، نجد أنه لو اقتربت إحداهما من الأخرى عبر الطريق النووي فإن الحرق مصير إحداهما وهذا ما سيفعل قرارات العقوبات الدولية على كوريا الشمالية التي تعتمد في غذائها اعتماداً كلياً على جيرانها بالجنب وعلى رأسهم كوريا الجنوبية، اليابان، روسيا والصين وهي من أوائل الدول التي أعلنت رفضها لتلك التجارب وكذلك اتخاذها سلسلة من الإجراءات الداخلية للضغط على كوريا الشمالية قبل صدور قرار مجلس الأمن بالعقوبات. إن لغة الخطاب السياسي في كوريا الشمالية لازالت تدغدغ أحلام جيفارا ولينين وستالين وألحاناً من الماضي السوفييتي وبولندا "أبو الشوارب" وكوبا السجائر الفضائحية وغيرها من شتات الدول التي تأبى الاعتراف بأن السلاح النووي لن يضيف إلى رصيدها غير صفر آخر إلى شمالها المبتور عن جنوبها لأنها لا تملك آحاداً نافعة لشعوبها المحبوسة بين جدران أنظمتها التي زلزلت في عقر دارها زلزالاً شديداً إلا أن إصرار الرؤوس الفارغة على ركوب الزورق النووي وبأي ثمن هو الذي يغرق الجميع في بحر لا يجيدون فيه السباحة ضد التيار. رغم مرور عقود على اكتشاف جزء من العالم لسلاح الردع والذي استخدم لمرة واحدة في هيروشيما وناجازاكي من قبل أميركا بعد إلحاق الهزيمة باليابان رداً على هزيمة "بيرل هاربر" إلا أن اليابان لم تسع لامتلاك هذا السلاح انتقاماً من أميركا مع وجود كل الإمكانات العلمية لديها للقيام بهذه المهمة وفي فترة زمنية قياسية مقارنة بالدول النووية القابعة في قعر الفقر. دولة مثل اليابان لماذا فضلت أن تجعل من السلام وليس من السلاح دستوراً لها بعد أن ذاقت مرارة القنبلة الذرية، لأن العقل أصبح سيد الموقف فكان الخيار العلمي والاقتصادي في مقدمة الهم العالمي فهي اليوم تلك الجزيرة التي تقف شامخة على قمة العالم مثلها مثل أميركا، بل إنها تتفوق عليها في أشياء أصبحت مزعجة لها في بعض الأحيان. فإذا علمنا أن هناك ثماني دول أعضاء النادي النووي فإن إضافة العضو التاسع وغير المعترف به لن يضيف إلا صفراً آخر إلى الشمال الذي يعاني أزمة الأصفار في نقوده وبقية وجوده.