نادرة هي المناسبات التي اتفق فيها بين بوش وكبار منتقديه على شيء معين. من تلك المناسبات هذه التي حدثت يوم الثلاثاء الماضي عندما قال بوش بعد التوقيع على ما يعرف بـ"قانون التفويضات العسكرية" بأن هذا القانون يمثل" تفويضاً صريحاً من الكونجرس بتعزيز الأساليب التي تستخدمها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في التحقيقات".. ووافقه على ذلك العديد من منتقدي الإدارة التقليديين عندما قالوا إن القانون" يرخص باستخدام التعذيب".. ولسوء الحظ أن كلا الجانبين على خطأ. فنحن لا نستطيع أن نلوم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عندما تسعى إلى الحصول على تفويض صريح من الكونجرس خصوصاً وأنها كما يقال كانت تستخدم وسائل رهيبة في التعذيب منها أسلوب الإيهام بالغرق ورش أجساد المساجين العرايا بالماء في غرفة تنخفض فيها درجات الحرارة إلى مستويات عالية، وإرغام السجناء على الوقوف لمدة 36 ساعة متواصلة وهم مقيدون بالأغلال. هل كان هناك ما يدعو الوكالة للقلق؟ نعم كان ذلك حيث إن الولايات المتحدة كانت تحاكم أي أحد يستخدم تلك الأساليب باعتباره قد ارتكب جريمة حرب، وهو السبب الذي دعا بعض محققي الوكالة إلى الإضراب عن العمل عندما قام الكونجرس الخريف الماضي بتمرير وثيقة التعديلات التي قدمها السيناتور "جون ماكين" والتي تم بموجبها تحريم المعاملة القاسية للسجناء. وقد حاول ديك تشيني الحصول على استثناء للوكالة من تلك التعديلات ولكنه لم ينجح في ذلك. كما حاولت الإدارة الضغط على المحققين لمواصلة اتباع تلك الأساليب بقولها إنها لا تزال قانونية في نظرها، إلا أن الوكالة رفضت، وطلبت "التوضيح" من الكونجرس. لذلك فإننا لم نندهش عندما رأينا بوش يهرع للوقوف أمام الكاميرات كي يقول إنه قد توصل إلى تسوية مع السيناتور "جون ماكين" بشأن "قانون التفويضات العسكرية"، وبوش يحاول بذلك إقناع محققي الوكالة أنه قد أصبح لديهم تفويض مفتوح من الكونجرس بممارسة وسائل قاسية في التعذيب وهذا شيء ليس حقيقياً. وهو ما يعني أنهم إذا ما خضعوا لضغوط الإدارة ولجأوا بعد الآن إلى استخدام تلك الأساليب في التحقيق، فإنهم سيكونون معرضين إلى خطر أكبر من الخطر الذين كانوا معرضين له في الخريف الماضي. وفي الحقيقة أن الأسلوب الذي استخدم في صياغة هذا القانون أبعد ما يكون عن الكمال، بل إن الحقيقة هي أن هناك عدداً من البنود تمت صياغتها بطريقة تدعو إلى الرثاء، وكان يتعين رفضها. ولكن لو نظرنا إلى القانون بنظرة سطحية فسنفهم منه أنه يجرم المعاملة القاسية. وأن المحقق يمكن أن تتم إحالته إلى المحاكمة إذا ما تبين للمحكمة أن الأساليب التي استخدمها قد تسببت في إيقاع "معاناة" بدنية وعقلية خطيرة للسجين. وتقول السيناتور"ليندساى جراهام" "الجمهورية"، التي تمثل ولاية ساوث كارولينا في مجلس الشيوخ إن الإدارة توافق على أن تلك الوسائل تشمل الإيهام بالغرق. والسؤال هنا هل تحتاج الإدارة بعد ذلك إلى سؤال هيئة مفوضين في المحاكم عما إذا كان من المسموح استخدام الوسائل الأخرى مثل الحرمان من النوم لفترات طويلة ووقوف السجناء وهم مقيدون لفترات طويلة للغاية ورشهم بالماء في درجة حرارة شديدة البرودة أم لا؟ لا أعتقد أنها تحتاج إلى ذلك، خصوصاً وأن هناك لجنة من الخبراء قد أثبتت أن اتباع هذه الوسائل تنتج عنه معاناة بدنية وعقلية لا يجب أن تطول كما أن الوكالة تعرف ذلك من خلال عدد من الدراسات الجوهرية التي أجرتها على هذا الموضوع. وعلى الرغم من أن أنصار الإدارة في الكونجرس قد ادعوا بشكل عام أن هناك حاجة لاستمرار الوكالة في برنامجها وتحدثوا عن قانونيته، فإن منهم أعضاء مثل السيناتور "جراهام" التي قالت بشكل محدد إن مشروع القانون "يحد من برنامج السي.آي.إيه" ومنهم السيناتور "ماكين" الذي قال إن هذا المشروع يمكن ترجمته ليعني أن أساليب الحرمان الشديدة مثل الحرمان من النوم والتعريض لدرجات حرارة منخفضة وغيرها "غير مسموح بها".. في حين قال السيناتور "جون وارنر" "الجمهوري" عن فرجينيا إن مثل هذه الأساليب المهينة "محرمة بشكل واضح من خلال هذا القانون"... هكذا كانت مواقف وتصريحات النواب "الجمهوريين" في مجلس الشيوخ. كما أن الأعضاء "الجمهوريين" في مجلس النواب لم يكن موقفهم أكثر دعماً للإدارة. حيث قال "دانكان هانتر" النائب "الجمهوري" عن ولاية كاليفورنيا ورئيس رئيس لجنة القوات المسلحة، "إن الادعاء بأن مشروع القانون يفوض وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بمواصلة اتباع تلك الوسائل القاسية لهو ادعاء زائف". ومن بين الحقائق الأخرى غير المريحة بالنسبة للبيت الأبيض أن مشروع القانون يؤكد بشكل قاطع ما يعرف بـ"تعديل ماكين" -التعديل الذي قاد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الأصل إلى المطالبة بتفويض واضح من الكونجرس لاستخدام تلك الأساليب- في حين أن الإدارة حاولت الترويج لفكرة أن تعديل "ماكين" هو تعديل مرن وأنه يمنع فقط أساليب التحقيق التي "تصدم الضمير".. وأنه لا يجب أن يكون هناك منع لأي أسلوب إذا ما كانت المعلومات التي تريد الوكالة الحصول عليها من المساجين ضرورية للغاية. لتلخيص المسألة أقول إن المحاكم الأميركية سوف تدين القسوة في التحقيقات إذا ما رأت ذلك حسب الأدلة المتوافرة لها بصرف النظر عما إذا كان بوش ووزارة العدل يريان ذلك أو لا يريانه. وللتدليل على ذلك يكفي أن نعرف أن المحكمة الدستورية العليا وافقت منذ عقود على أن الحرمان من النوم يعتبر من أكثر وسائل التعذيب قسوة، على الرغم من أن ذلك لم يكن يتفق مع رأي الإدارة وقتذاك. الإدارة الأميركية الحالية تحاول أن تقنع ضباط الـ"سي.آي.إيه" بأنهم لن يدانوا أو على الأقل لن يحاكموا وهو ما يجعلهم يشعرون بمزيد من الحيرة.. وعلى الرغم من أنهم طالبوا بتوضيح من الكونجرس للتخلص من تلك الحيرة فإنهم لم يتلقوا منه سوى المزيد من الغموض. في نهاية المطاف فإن كل ما يستطيع الرئيس أن يقوله بأمانة لمحققي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية هو ذلك: "القانون مكتوب بلغة فضفاضة.. وسوف نعطيكم مذكرة تفسيرية أخرى فلا تقلقوا".. بالتأكيد هذا ما سيقوله بوش. ستيفن ريتشارد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مدير مكتب "معهد المجتمع المفتوح" في واشنطن دي.سي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"