هناك ظواهر فكرية عديدة باتت من سمات شهر رمضان المبارك في دولة الإمارات، أولاها اللقاءات الفكرية والإيمانية التي تنشط خلال الشهر الفضيل في ظل وجود هذا الحشد الكريم من علماء الدين الإسلامي، ضيوف صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة- حفظه الله ورعاه- وهذه الظاهرة الإيمانية تعكس تكريم الدولة وتقديرها للعلم والعلماء وتجسّد الخصوصية التي تتمتّع بها الإمارات من حيث احتضانها للفكر والمفكرين والعلم والعلماء من مختلف المذاهب والمدارس الفقهية، ومن حيث تشجيعها للحوار والتفاعل المثمر والتفكير الديني الجاد والرشيد الذي يصبّ في سلة نهضة الأمة الإسلامية ورقيها وتقاربها وتواصلها ووحدتها. وثمّة ظاهرة ثانية لا تنفك عن الأولى وهي "جائرة دبي الدولية للقرآن الكريم" والتي باتت سمة مميزة للشهر الكريم في دولة الإمارات، سواء من خلال المسابقة الدولية لحفظ القرآن الكريم، وهي مسابقة تبوأت مكانة في ساحة المسابقات القرآنية العالمية، ومن خلال اختيار شخصية العام الإسلامية أيضاً. أما الظاهرة الثالثة التي يتسم بها الشهر الكريم في دولة الإمارات فهي المجالس الرمضانية العديدة التي تتشابه فيها معظم دول الخليج العربية وتلتئم بحضور قيادات الدولة والفعاليات والنخب الاجتماعية والسياسية والفكرية وتطرح من خلالها قضايا مجتمعية ملحّة وتناقش في أجواء من الشفافية والحريّة، بحيث تحوّلت تلك المجالس إلى برلمانات شعبية تتمتّع بسقف عالٍ من الحريّات وتمتلك خصائص ومميزات متفرّدة تضفي عليها قدراً من الخصوصية، حيث تحوّلت المجالس الرمضانية إلى ملتقيات فكرية تطرح مختلف القضايا المحلية بحريّة وتناقش هموم الوطن والمواطنين بما يجعل منها ترمومتراً لقياس نبض الشارع الإماراتي، والتعرّف إلى مشاكله وقضاياه بحكم تمثيل مختلف طبقات المجتمع في هذه المجالس ومساحة الحريّة التي تتيح التطرّق إلى مختلف القضايا والموضوعات وممارسة النقد الذاتي بقدر عالٍ من الشفافية والتجرّد، بما يجعل من هذه المجالس غير الرسمية قناة حيوية لإثراء تجربة المشاركة السياسية التي نقف على أعتابها في بداية مرحلة التمكين، فضلاً عن دور هذه المجالس في التنشئة السياسية بحكم ما توفره من فرص لتلاقي الخبرات وتنمية الوعي السياسي والوطني لدى المشاركين فيها، والمطلعين على ما يدور أو يطرح فيها من قضايا وإشكاليات وآراء أيضاً، بحيث أصبح استمرار هذا التقليد الرمضاني على مدار العام طموحاً لدى الكثيرين ممن يسعون إلى تنشيط الحياة الثقافية والفكرية وإثرائها من خلال هذه الحوارات والنقاشات، التي تعبّر عن خصوصية مجتمعاتنا وتعكس قيمها. وإذا كانت المجالس الرمضانية تطرح العديد من القضايا المجتمعية وتظهر من خلالها الكثير من الأفكار القابلة للتنفيذ بما يسهم في تطوير الخدمات وتعزيز كفاءة الأداء الخططي والتنفيذي في مؤسسات الدولة، فإن الملاحظ أن هذه الأفكار والآراء بحاجة إلى آلية ما لاستقبالها ومناقشتها وبلورتها وترجمتها في صيغ عملية قابلة للتنفيذ كي يصبح ما يدور في هذه المجالس ذا مردود واقعي على المجتمع وكي يستشعر الجميع فائدة هذه النقاشات وما يطرح من خلالها من أفكار وآراء. هناك حراك فكري وسياسي متنامٍ تشهده دولة الإمارات، وهناك ظواهر تثري الحياة اليومية في شقها الثقافي والفكري، وهذه جميعها أمور إيجابية مطلوبة تعمّق مفهوم المشاركة الشعبية وتعزّز الانطلاق نحو مرحلة التمكين وتفتح المجال أمام الأفكار والكوادر الشابة للمشاركة في صناعة المستقبل. ـــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية