يبدو أن "الجمهوريين" يتملكهم الخوف هذه الأيام، فأينما وجدوا سواء في البيت الأبيض، أو في الكونجرس يشعرون بالقلق من احتمالات الخسارة في الانتخابات المقبلة. لذا شنت الإدارة الأميركية واللجنة المركزية للحزب "الجمهوري" هجمة شرسة على "الديمقراطيين"، وموقفهم من الحرب في العراق. "الانهزاميون" هذا هو الوصف الذي يطلقونه علينا، أو في مناسبات أخرى المتساهلون مع الإرهاب لنتحول في الأخير، حسب توصيفاتهم دائما، إلى "ديمقراطيين انهزاميين". فقد سبق لنائب الرئيس ديك تشيني أن اتهم الديمقراطيين "بالمتشائمين الانهزاميين"، بينما حملنا وزير الدفاع دونالد رامسفيلد مسؤولية الاعتقاد الخاطئ بأن "المتطرفين الأشرار يمكن التساهل معهم". أما البيت الأبيض فلا يتردد في نعت الحزب "الديمقراطي" بحزب "الفارين". وبالطبع لا تعدو تلك التسميات أوصافاً قدحية يراد بها التهجم على الحزب "الديمقراطي" لأغراض انتخابية لا غير، إلا إذا كانت الانهزامية تعني التمعن في سياسة الإدارة الحالية في العراق والحكم عليها بالفشل في ظل الواقع الأليم الماثل أمام أعيننا. وفي هذه الحالة يمكنني أن أكون أحد الانهزاميين، لأن "الديمقراطيين" يعترفون فعلاً بأننا بصدد مواجهة كارثة كبرى في العراق، إذا لم نغير طريقنا وبسرعة. وبالطبع ليس هذا المنطق انهزاميا بقدر ما هو واقعي يرى بأن قواتنا في العراق التي تتعرض حياتها يومياً للخطر، تستحق خطة محكمة توفق بين القوة العسكرية من جهة والجهود الدبلوماسية والسياسية من جهة أخرى، كما يستحقون مهمة واضحة ومحددة ويعرفون على وجه الدقة ما هو منتظر منهم لإنجاز المهمة بعيداً عن الخطب الرنانة والأكاذيب. فالجيش الأميركي قام بكل ما يستطيع به في العراق، لكن العراقيين، من ناحيتهم، يريدون رؤية القوات الأميركية تغادر بلادهم. وهو ما يدفعني لتأييد الرأي الداعي إلى إعادة الجنود الأميركيين إلى أرض الوطن على نحو يضمن الأمن للقوات المتبقية. وأعتقد بأن الوقت قد حان كي يشرع الحزب "الجمهوري" في العمل جنباً إلى جنب مع "الديمقراطيين" من أجل وضع جدول زمني للانسحاب وتسليم العراق إلى العراقيين. وليست النعوت والأوصاف التي يكيلها "الجمهوريون" لـ"الديمقراطيين" سوى محاولة لخنق المعارضة الموالية، حيث الهدف النهائي لمعارضي السياسة الحالية هو تعزيز القوة العسكرية الأميركية، والتركيز على الخطر الحقيقي للإرهاب، فضلاً عن تقوية الدفاعات الأمنية في الداخل، وإعادة المصداقية للصورة الأميركية في العالم. هذه الأهداف هي بعيدة كل البعد عن المنطق الانهزامي، كما هي بعيدة عنه أيضاً أية دعوة صادقة لبلورة خطة ناجحة وفعالة قادرة على مواجهة خطر الإرهاب والتصدي له بنجاعة. وبالرجوع قليلاً إلى الوراء وتحديداً إلى عام 2002، نجد أن "الديمقراطيين" صوتوا بمعظمهم ضد قرار استخدام القوة ضد العراق باستثنائي أنا الذي صوت حينها لصالحه، ذلك أنه منذ دخولي الكونجرس سنة 1974، وأنا دائما أؤيد الرئيس في القضايا المتعلقة بالحرب. بيد أنه في حالة العراق أعترف أنني ارتكبت خطأ، ولا أتحرج من القول بأنه لو عرفت أن الأمور ستؤول إلى ما آلت إليه اليوم لما وافقت أبدا على شن الحرب على العراق. ومازلت أذكر كيف شكك زملائي "الديمقراطيون" في حقيقة الخطر الذي يطرحه العراق على الأمن القومي الأميركي. فالعديد منهم لم يكن مقتنعاً بأن العراق بصدد تطوير أسلحة نووية، وبأن لديه برنامجاً متقدماً لإنتاج الأسلحة البيولوجية والكيماوية، فضلاً عن أن الجميع كان متأكدا بعدم وجود أية علاقة بين نظام صدام حسين وهجمات 11 سبتمبر. ورغم أن التطورات اللاحقة أثبتت صحة ما كانوا يعتقدونه، إلا أنه بمجرد نشر القوات الأميركية في العراق لم يفتر "الديمقراطيون" أبداً عن تأييدهم. ورغم الأموال الطائلة التي خصصت في التسعة أشهر الأخيرة لوزارة الدفاع والمقدرة بـ 962 مليار دولار، حيث رصد 190 مليار دولار منها للمجهود الحربي، فقد صوت "الديمقراطيون" على التمويل. لكن إلى جانب ذلك أشار "الديمقراطيون" إلى النقص في الآليات المصفحة ومعدات التشويش الإلكتروني المستخدمة في كشف الألغام وتفجيرها، كما رصد "الديمقراطيون" أيضاً جوانب القصور في الاستعداد العسكري لدى قواتنا البرية وعملوا على استعادة القدرة العسكرية الأميركية. فهل بعد كل ذلك يمكن وصف الموقف الديمقراطي على أنه انهزامي؟ ولئن كان الشعب العراقي قد عبر في البداية عند دخول القوات الأميركية إلى بغداد وإسقاط تمثال صدام حسن عن فرحه لانتهاء عهد الديكتاتورية، إلا أنه بعد مرور اثنين وأربعين شهرا من ذلك الوقت وإنفاق 400 مليار دولار نجد أنفسنا في أتون حرب أهلية، حيث 61% من العراقيين يعتقدون بأن قتل الأميركيين أمر مبرر، فضلا عن الاقتتال المتصاعد بين العراقيين. وكلما نظر إلينا العراقيون على أننا قوات احتلال، كلما طال أمدنا في العراق وصعب على العراقيين رسم ملامح مستقبلهم. وهكذا يتضح أن إصرار الإدارة على البقاء في العراق ليس سوى حل مؤقت لإبقاء 140 ألفا من القوات العسكرية في العراق إلى غاية 2010 في ظل غياب استراتيجية حقيقية لتحقيق النصر. وقد رأينا كيف عبرت العديد من الشخصيات العسكرية في الولايات المتحدة عن معارضتها للسياسات الحالية في العراق، ودعوتها إلى رسم اتجاه جديد للسياسة الأميركية يضع حدا للتدهور الأمني الخطير. ورغم الانتقادات التي وجهت إلى المعارضين، فإن هؤلاء رجال شجعان تعودوا النظر إلى الحقائق الماثلة على أرض الواقع بموضوعية وتجرد فهل كلهم على خطأ؟ وماذا عن تقرير الاستخبارات الأخير الذي أعدته أكثر من 15 وكالة استخباراتية، ويشير إلى أن الحرب في العراق، لم تساهم في تعزيز أمننا كما كان يقول الرئيس بوش؟ جون مورثا عضو "ديمقراطي" في الكونجرس الأميركي وعضو بارز في لجنة الدفاع ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز واشنطن بوست"