برنامج اختبار القنابل النووية الذي أعلنته كوريا الشمالية، سيشجع الدول الأخرى على التحول إلى دول نووية، وسيعرض الأمن في المنطقة للخطر، كما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى إرهاب نووي. ورغم أن هذا الاختبار يمثل تتويجاً لطموح كوريا الشمالية طويل الأمد للتحول إلى قوة نووية، فإنه كذلك يعد دليلاً على الفشل التام لسياسة إدارة جورج بوش تجاه هذه الدولة. فالرئيس بوش ومنذ فترة مبكرة من حكمه، وصف كوريا الشمالية بأنها عضو في "محور الشر"، كما أدلى بملاحظات مهينة ضد زعيمها كيم يونج إيل، وقال إنه لن يتسامح مع برنامج نووي كوري شمالي... غير أنه على الرغم من كل ذلك لم يضع قيوداً ينبغي أن تقف عندها الأفعال والتصرفات الكورية. أهم تلك القيود التي كان يتعين وضعها هو القيد على عمليات إعادة معالجة الوقود المستنفد المتخلف عن المفاعل الكوري المستخدم في تصنيع البلوتونيوم. ففي عام 1994 أعلنت إدارة كلينتون أنه إذا ما قامت كوريا الشمالية بإعادة معالجة الوقود المستنفد فستكون بذلك قد "عبرت خطاً أحمر"، وهددت بالقيام بعمل عسكري ضد "بيونج يانج" إذا ما قامت بذلك. وكانت استجابة الكوريين الشماليين لهذا الضغط، الدخول في المفاوضات التي أسفرت في النهاية عن "اتفاقية الإطار" التي لم تنهِ طموحات كوريا الشمالية للحصول على أسلحة نووية ولكنها أخرتها إلى حد كبير. وفي عام 2000 اكتشفت إدارة بوش وجود برنامج كوري شمالي لليورانيوم كان من الواضح أنه محاولة للالتفاف على "اتفاقية الإطار". وهذا البرنامج على الرغم من خطورته المحتملة، إلا أنه كان سيمكن كوريا الشمالية من تصنيع قنبلة بمعدل بطيء للغاية، مقارنة ببرنامج البلوتونيوم الأكثر نضجاً والذي كان خاضعاً للتفتيش الدولي بموجب الاتفاقية المشار إليها. على الرغم من ذلك، فإن الإدارة الحالية تصرفت بأسلوب يخلو من الحكمة حيث توقفت عن الالتزام باتفاقية الإطار، مما دفع كوريا الشمالية إلى طرد المفتشين الدوليين والإعلان عن نيتها العودة لمعالجة البلوتونيوم. وكان رد الإدارة الأميركية في ذلك الوقت هو شجب هذا التصرف ولكنها لم "تضع خطاً أحمر"، وعليه فقد قامت بيونج يانج بتصنيع البلوتونيوم. في بواكير هذا الصيف قالت الإدارة إن قيام الكوريين الشماليين بإجراء تجارب على الصواريخ البعيدة المدى هو أمر غير مقبول... ومع ذلك قام الكوريون بإجراء عدة تجارب على إطلاق الصواريخ في الرابع من يوليو. ومنذ فترة قريبة للغاية أعلنت الإدارة الأميركية أن قيام كوريا الشمالية بإجراء تجربة على قنبلة نووية سيكون أمراً غير مقبول ومع ذلك وبعد أسبوع واحد على ذلك أجرت كوريا الشمالية اختبارها النووي الأول. على ما يبدو فإن الإدارة الأميركية منقسمة انقساماً عميقاً بشأن التعامل مع كوريا الشمالية، حيث يفضل البعض فيها أسلوب المفاوضات وممارسة الضغط السياسي والاقتصادي للدفع باتجاه تغيير النظام. وهكذا فإنه على الرغم من أن الإدارة كانت راغبة في إرسال مبعوث للمحادثات السداسية التي نظمها الصينيون عام 2003، فإنه لم يكن لديه استراتيجية واضحة للتعامل مع كوريا الشمالية في تلك المفاوضات أو تقديم نموذج للقيادة بالنسبة للأطراف الأخرى، غير أنها قامت في الوقت نفسه بزيادة الضغط الاقتصادي على بيونج يانج، وهو ضغط لم يكن من الممكن أن ينجح دون دعم من الصين وكوريا الجنوبية. وعندما أحس كيم يونج إيل بأن الإدارة الأميركية مشلولة، وأنها لا تمتلك خطة للتعامل معه، مضى قدماً نحو تنفيذ برنامجه النووي الجريء والخطِر في الآن ذاته. والسؤال: ما الذي يمكن عمله، ويمكن أن يترتب عليه بناء نفوذ على السلوك الكوري؟ مما لاشك فيه أنه يجب أن يكون هناك -وسوف يكون هناك فعلاً- قرار من الأمم المتحدة بشجب التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية، تستجيب فيه للضغوط الأميركية واليابانية باتخاذ إجراءات مقاطعة فعالة ضد بيونج يانج تؤدي لعزلها وقطع التعاملات التجارية معها. المشكلة في هذا الخيار هي أن كوريا الشمالية قد قامت بإجراء التجربة وانتهى الأمر، وأن أي عقوبات سيتم فرضها عليها ستزيد من معاناة الشعب الكوري المعدم في حين لن تعاني النخبة الكورية منها شيئاً. ستكون هناك دعاوى بتسريع تنفيذ برنامج الدفاع الصاروخي الأميركي ولكن الخطر الأكبر الذي ستواجهه الولايات المتحدة من البرنامج النووي الكوري ليس قيام كوريا الشمالية بإطلاق الصواريخ على الأراضي الأميركية، لأنها تعرف جيداً أن ذلك سيكون بمثابة عمل انتحاري، ولكن الخطورة القصوى مصدرها أن تقوم تلك الدولة ببيع إحدى قنابلها النووية أو حتى ببيع البلوتونيوم لمجموعة إرهابية. صحيح أن بوش قد حذر كوريا من القيام بشيء مثل ذلك، ولكن هل أجدت نفعاً كل التحذيرات التي وجهتها إدارة بوش لهذه الدولة، طوال السنوات الخمس الماضية؟ لكي يحقق أي تهديد لكوريا الشمالية أثره، فإنه ينبغي أن يكون أكثر تحديداً، كالتهديد مثلاً بالقيام بعمل انتقامي ضدها إذا ما قام إرهابي بنزع فتيل قنبلة نووية في واحدة من مدننا. إن عدم اهتمامنا الواضح، وكون التهديدات التي وجهناها لكوريا الشمالية لم تكن محددة، سمحا لبيونج يانج بأن تشكل تهديداً جدياً وخطيراً لمنطقة الباسيفيكي الآسيوية. وربما يكون الوقت متأخراً جداً لعكس اتجاه الأمور، ولكن الاهتمام الجدي بهذه المشكلة لا يزال قادراً على الحد من مقدار الضرر الذي أحدثته التجربة النووية لهذه الدولة. ويليام بيري ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وزير الدفاع الأميركي بين عامي 1994 و1997 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"