ثبت بشكل عام أن الحروب لا تحل أياً من المشاكل القائمة بين أطرافها، حتى من منظور جزئي مؤقت، وهو ما تؤكده خصوصية الشرق الأوسط، حيث تبين أن النزاعات التي تصيب هذا الجزء من العالم، في مجملها، يستحيل حلها على انفراد بل هي بحاجة لتضافر جهود جميع الأطراف. ومن هنا جاء تعبير "الحل الشامل"، خاصة وأن موازين القوى وخريطة العلاقات الدولية هي التي - أكثر من غيرها- تتحكم في مسارات السياسة. منذ تبلور المأزق الأميركي في كل من العراق وأفغانستان وفشل العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في تحقيق معظم أغراضه، بشّر المحللون بحدوث تحول جديد في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً، وتجاه القضية الفلسطينية خصوصاً، نتيجة حالة عدم الاستقرار والتداعيات التي تتهدد المنطقة. ولاحظ كثيرون ما اعتبروه "التحول" الأميركي الجديد الذي يركز على عملية السلام في الشرق الأوسط. وكان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون (مثل غيره) قد حث على ذلك صراحة في مقابلة أجرتها معه صحيفة "فايننشال تايمز" مؤخراً، إذ أعلن "أن الأنباء السيئة الواردة من العراق، وأفغانستان، ولبنان... خلقت شعوراً يفرض اعتماد استراتيجية تضمن قيام نظام جديد يسمح للجميع بالعيش معاً إذا ما أردنا وضع حد لتفاقم الأوضاع"، مضيفاً: "لست متأكداً من أنكم لن تشهدوا أموراً إيجابية تحدث في الشرق الأوسط في الأيام الستين المقبلة". إذن نحن– وفي ضوء تصريحات نعتبرها متفائلة للغاية- ربما نكون أمام منعطف ما أو أقلها محاولة لعلها تكون جادة هذه المرة لحل، ولو مؤقت، للقضية الفلسطينية. كذلك، منذ سنوات، تحاول الدبلوماسية العربية تحقيق تقدم ملموس في ملف التسوية السياسية في المنطقة وإقامة دولة فلسطينية "قابلة للحياة"، بعد الإدراك لحقيقة أن التطورات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة (غزو العراق، فوز حركة حماس، والعدوان على لبنان، وغير ذلك) كلها دفعت الأمور إلى حافة الهاوية، مما جعل الدول العربية تبذل مزيداً من الجهد السياسي والدبلوماسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. مع عودة وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس من جولتها في المنطقة، اتضح أن المسعى الأميركي الأول كان، ولا يزال، تخفيف احتقان الشرق الأوسط القابع على فوهة بركان لمنع انفجارات أخرى كامنة. لذلك، يتوقع البعض بأن "تضغط" واشنطن على إسرائيل تماماً كما أعلن الرئيس جورج بوش قبل إيفاده رايس إلى المنطقة حيث اتفق المحللون على أن عودتها إنما هي عودة إلى "خريطة الطريق" التي سبق أن نعاها القادة الإسرائيليون مراراً وتكراراً. ويؤكد هذا البعض أن حكومة إسرائيل، رغم الأجواء الكئيبة حولها بعد فشل عدوانها على لبنان، "مجبرة" على فتح بوابة للسلام، واضعة نصب عينيها "المبادرة العربية" الداعية إلى وضع حد للصراع العربي- الاسرائيلي بالتطبيع في العلاقات العربية/الإسرائيلية مقابل العودة الى حدود يونيو 1967 عبر "خريطة الطريق"، تماماً كما اجتهد ابراهام تامير مدير عام ومستشار سابق للأمن القومي الإسرائيلي في صحيفة هآرتس (3/10/2006) إذ قال: "بأن الطريق الصحيح للتوصل إلى السلام الإسرائيلي- الفلسطيني تكمن في ربط مراحل خريطة الطريق بمراحل تحقيق السلام الشامل بين الدول العربية وإسرائيل على أساس الخطة السعودية (العربية)". وهو أيضاً ما قاله عوزي بنزيمان أحد الكتاب الرئيسيين في صحيفة هآرتس (1/10/2006) لكن بتحد كبير: "إن الدولة التي تتطلع إلى التوصل إلى سلام مع الأعداء، يجب عليها، قبل كل شيء، أن تُغير طبيعة تفكيرها إزاء هؤلاء الأعداء وأن ترى فيهم شركاء يمكن التوصل إلى سلام معهم. فإذا نظرنا إلى عدو اليوم على أنه الشيطان الذي لا يمكن اقتلاع كراهيته، فإن التوجه إلى إقامة سلام معه باطل من الأساس ولا يمكن التوصل إليه". إلى ذلك، نلاحظ أن هناك "نهجاً" في إسرائيل بدأ يدعو للحوار مع "حماس" حتى أن سبعين شخصية إسرائيلية وجهت رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة إيهود أولمرت تطالبه بطرق كل باب للتفاوض للخروج من المأزق الحالي، فمعالجة النزاع "ليست مجرد شرط للتهدئة في الشرق الأوسط المعقد والعنيف فحسب، بل هي مفتاح مشكلات العالم الأخرى". وهذا أيضاً ما أشار إليه الكاتب الصحافي آري شافيط، من "هآرتس"، في كتاب جديد بعنوان "تقسيم البلاد: إسرائيليون يفكرون بالفصل"، حيث يقول على خلفية احتمال عدم تحقيق السلام "إن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي هو صراع بين شعب محتل وشعب مهدّد. وهذان الأساسان يجعلان هذا الصراع فريداً: الاحتلال والخطر. وليس هناك شعب في العالم يخضع بشكل متواصل للاحتلال مثل الشعب العربي الفلسطيني. كما ليس هناك شعب آخر في العالم يعيش خطراً وجودياً مثل الشعب اليهودي الإسرائيلي. ومع ذلك، من دون علاج متوازٍ، سواء للاحتلال أو للخطر، لن يتم العثور على حل للصراع القاسي بين إسرائيل والفلسطينيين"! تبقى معضلة الواقع الفلسطيني في الضفة والقطاع حيث يشهد تناقضاً بين طرفين كبيرين (حركتا فتح وحماس) يمتلكان رؤيتين وبرنامجين متعارضين، بل ثمة مخاوف من أن كليهما يقدم مسألة الإطاحة بالآخر على كل شيء! لذلك فإنه ما لم يقدم الطرفان، ومعهما سائر الفصائل، التناقض مع الاحتلال على باقي التناقضات والتعارضات الأخرى، فليس ثمة فرصة لدفع القضية قدماً إلى الأمام. فخلافات الحركتين بشأن أسس حكومة الوحدة الوطنية، مع استمرار وتصاعد التوتر الداخلي، وتفاقم آثار الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وغير ذلك من عوامل، من شأنه جميعاً إلحاق أضرار بالغة بالفعل السياسي الفلسطيني الذي يسعى وراء حقوق تنكرها إسرائيل، وبات لا يتفهمها حتى "المجتمع الدولي"! وفي طليعة هذا الأخير تقف أوروبا التي بدأت تحركاً نحو إعادة الحيوية للعملية السلمية، بالإضافة إلى إعلان رئيس وزراء بريطانيا أنه سيكرس ما تبقى له من زمن في الحكم لصالح قضية السلام في الشرق الأوسط. كما تبدي الدول العربية استعداداً أكبر من أجل إعادة بناء وإحياء عملية السلام. وفي إسرائيل، جرى الإعلان عن استعداد رئيس الوزراء الإسرائيلي للقاء الرئيس محمود عباس بغرض "كسر الجمود" في المفاوضات المتوقفة منذ سنوات! فهل ينجح الفلسطينيون في إعادة تأهيل مركبهم الذي تتلاطمه الأمواج؟! وهل يحسمون عن طريق الحوار الحضاري "كمية" التنازلات (المطلوبة منهم دوليا) والتي يستطيعون إضافتها إلى سابقتها؟ ويبقى السؤال المركّب الكبير عن مدى استعداد إسرائيل لأن تكون شريكا قبل تحدثها عن الشركاء الآخرين، وهل يمكنها القبول بدولة فلسطينية، بل هل يمكنها التخفيف من مواقفها الرافضة للحوار، وبخاصة وأنها تعلن جهاراً نهاراً أنها لا تجد بين القيادة الفلسطينية من يصلح "شريكاً حقيقياً" لها في المفاوضات؟! وختاماً، هل تستمر إسرائيل في رفض تقديم "التنازلات" رغم ما قدمته القيادة الفلسطينية من تنازلات؟!