في عام 1994 قامت كوريا الشمالية بطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأطلقت تهديداتها بإعادة تصنيع الوقود النووي المستنفد، ما يتيح لها القدرة على إنتاج الأسلحة النووية. ومع تصاعد نذر الحرب في شبه الجزيرة الكورية، تشكلت قناعة لدى القوات الأميركية والكورية الجنوبية بأنها قادرة على تدمير جيش كوريا الشمالية وإلحاق الهزيمة بها. لكن في المقابل لم يكن خافياً على الولايات المتحدة أن كوريا الشمالية قادرة على إطلاق أكثر من 20 ألف قذيفة وصاروخ على سيئول القريبة من الحدود، وقدر القائد الأميركي في كوريا الجنوبية الجنرال جاري لاك بأن عدد الضحايا سيتجاوز بكثير ما سقط في الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي. وبسبب خطورة الوضع حينها، انبرت جميع الأطراف للبحث عن حل للأزمة في شبه الجزيرة الكورية لتفادي المواجهة العسكرية. وهكذا توجهتُ إلى كوريا الشمالية بدعوة من الرئيس "كيم إيل سونج"، وبموافقة الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وتمكنت من التوصل إلى اتفاق توقف بموجبه كوريا الشمالية برنامجها النووي وتسمح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية كي يستأنفوا مراقبة المنشآت النووية لضمان عدم تصنيع الوقود النووي المستنفد. كما تم الاتفاق أيضاً على إجراء مفاوضات مباشرة بين شطري شبه الجزيرة الكورية. وبعد هذا الاتفاق عمت فترة من الهدوء تميزت باستئناف مراقبة المواقع النووية في كوريا الشمالية، مصحوبة بمناقشات ثنائية مكثفة بين الشمال والجنوب. ومن جانبها طمأنت الولايات المتحدة كوريا الشمالية إلى أنها لن تقوم بأي عمل عسكري ضدها، بل أكثر من ذلك ستزودها بالوقود النووي لتعويض الطاقة النووية التي أوقفتها، كما تعهدت واشنطن بمساعدة بيونج يانج على بناء محطتين عصريتين لإنتاج الطاقة النووية على أن تخضعا للمراقبة والتفتيش الدوليين. وقد انتهت تلك المفاوضات بحصول رئيس كوريا الجنوبية "كيم داي يونج" على جائزة نوبل للسلام عام 2000 تقديراً للجهود الحثيثة التي بذلها لنزع فتيل الأزمة بين بلاده وجارتها الشمالية. لكن ما أن هلّ عام 2002 حتى تغيرت الأوضاع وانقلبت رأساً على عقب بعدما أدرجت الولايات المتحدة كوريا الشمالية كجزء من "محور الشر"، وهددت باستخدام القوة العسكرية ضدها، فضلاً عن وقفها تزويد بيونج يانج بالوقود النووي وإنهائها لأعمال بناء المحطتين النوويتين ورفض الدخول في أي مفاوضات ثنائية بين البلدين. وفي نقاشاتهم معي بدا لي أن الكوريين الشماليين مقتنعون تماماً بأن المواقف الأميركية تشكل تهديداً ماحقاً على بلدهم وعلى مستقبلهم السياسي. ولم يتأخر رد كوريا الشمالية الذي جاء متطرفاً لكنه متوقع، حيث انسحبت من معاهدة عدم الانتشار النووي، وقامت بطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأعلنت نيتها مواصلة إنتاج الوقود النووي وتطوير مواد نووية قابلة للانفجار. وبعد مفاوضات عسيرة جمعت بين بيونج يانج والدول الست، انتهت في شهر سبتمبر الماضي بالدعوة إلى وقف كوريا الشمالية برنامجها النووي والتخلي عن أسلحة الدمار الشامل، كما دعت البلدين المعنيين -الولايات المتحدة وكوريا الشمالية- إلى احترام سيادة بعضهما بعضاً والعيش المشترك بسلام مع السعي إلى تطبيع العلاقات الثانية. لكن سرعان ما انهار الاتفاق بعد الاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاق وتهديد مصالح الآخر. وهكذا فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية قاسية على بيونج يانج، كما استأنفت هذه الأخيرة تطوير برنامجها النووي واختارت طريق السلاح الفتاك. ورغم تشابه الوضع العسكري الحالي مع ما كان عليه قبل عقد من الزمان، يبقى الوضع الحالي أخطر بكثير من نظيره السابق. فإذا كانت الولايات المتحدة مازالت قادرة على تدمير جيش كوريا الشمالية، فإن النتائج ستكون لا محالة فادحة بالنظر إلى عدد الضحايا الذين قد يفوقون المليون على الجانبين الأميركي والكوري الجنوبي. وبعد التأكد من أن كوريا الشمالية قامت فعلاً بتفجير سلاح نووي، كما أعلنت هي نفسها، فإن المجتمع الدولي سيواجه الخيارات الصعبة ذاتها التي واجهها في السابق. وسيظل الخيار الأرجح هو السعي إلى حمل قادة بيونج يانج على التخلي عن برنامجهم النووي من خلال التهديد العسكري وتضييق الحصار على بلادهم، ما سيزيد من معاناة الشعب الذي يعيش المجاعة والفقر. لكن علينا الانتباه إلى مسألتين مهمتين تتمثل الأولى في التأثير الضئيل للحصار والضغوط على "كيم يونج إيل" وقادته العسكريين الذين أثبتوا قدرتهم على الاستمرار، أما الثانية فهي امتناع الصين وكوريا الجنوبية عن زعزعة استقرار النظام في بيونج يانج، وهو ما سيشجع هذه الأخيرة على مواصلة أنشطتها النووية. وإذا ما استثنينا خيار المواجهة سالف الذكر يبرز خيار تعزيز اتفاق سبتمبر الذي يقضي بنزع السلاح النووي وتعتبر كوريا الشمالية أنه مازال قائماً. فالوقت لم يفت بعد للانخراط في جهود استئناف الاتفاق السابق من خلال اتخاذ خطوات إجرائية تقوم خلالها الولايات المتحدة بإعطاء ضمانات لكوريا الشمالية بعدم تغيير النظام وإقامة علاقات طبيعية معها، على أن تتخلى بيونج يانج عن برنامجها النووي كي تعيش في سلام مع جيرانها. وسيتم التأكد من جميع عناصر الاتفاق من خلال الخطوات المتبادلة مصحوبة بمراقبة دولية تضمن تطبيق الاتفاق وعدم الإخلال به. ومع أن الانفجار النووي الذي أجرته كوريا الشمالية لم يرقَ بعد إلى قنبلة نووية كاملة، إلا أنه من غير المرجح أن تتراجع القيادة الكورية الشمالية عن تصميمها على الوصول إلى تصنيع وامتلاك السلاح النووي. وما لم تلب الولايات المتحدة طلب منح الضمانات الأمنية وتطبيع العلاقات مع بيونج يانج، فإن هذه الأخيرة ستستمر في تهديد محيطها الإقليمي دون رادع. وفي هذا السياق يمكن لواشنطن أن تخفف من تعهدها السابق بعدم إجراء مفاوضات مباشرة مع كوريا الشمالية عن طريق إيفاد مبعوث مثل وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر الذي سبق وأن قال بأن "الحديث إلى العدو لا يعتبر تهدئة". وعلى كل حال فإن ما يجب أن نتفاداه بكل السبل هو أن نترك دولة نووية تتدبر أمرها وهي مقتنعة بأنها ستبقى دائماً معزولة دولياً، ومهددة في وجودها، وشعبها يعاني من المجاعة، فضلاً عن تحكم تام للمتشددين في توجهاتها العسكرية والسياسية! جيمي كارتر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرئيس الأسبق للولايات المتحدة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"