عندما كان "بان كي مون" طالباً في إحدى المدارس الثانوية بكوريا الجنوبية دعي سنة 1962 إلى البيت الأبيض والتقى بالرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي بعد فوزه في مسابقة لإلقاء أفضل خطاب أمام الملأ. وعندما سأله أحد الصحفيين عما يريد أن يصبح في المستقبل رد عليه بان كي مون: "أريد أن أصبح دبلوماسياً". إنها قصة الدبلوماسي الكوري الجنوبي الذي من المتوقع أن يتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة بعد انتخابه من قبل أعضاء مجلس الأمن. ولم يأت "بان كي مون" على ذكر هذه القصة إلا بعدما تأكد من أن المنصب الجديد على رأس منظمة الأمم المتحدة أصبح من نصيبه. ويعزى هذا التحفظ على سرد القصة أمام الصحفيين إلى قيمة ثقافية آسيوية تستنكف عن جذب الشخص الانتباه إلى نفسه. ويعود السبب الآخر أيضاً إلى رغبته في عدم الظهور بمظهر القريب جداً من الولايات المتحدة. لكن الحادثة تسلط الضوء على بعض جوانب شخصية الأمين العام المقبل للأمم المتحدة. فالدبلوماسي المغمور الذي نجح في دخول الأمم المتحدة والتربع على رأس هرمها يعرف في أوساط المراقبين بأنه "صانع التوافقات" حتى ولو كان يعني ذلك الحذر في اتخاذ القرارات والحرص على عدم إغضاب الأطراف المعنية. وفي هذا السياق يقول دونالد جريج، السفير الأميركي السابق لدى كوريا الجنوبية: "ليس بان كي مون من النوع الذي يستمتع كثيراً في الحفلات، ولم أرَه أبداً يلعب الجولف كما يفعل زملاؤه، وهو أيضاً لا يتوفر على شخصية كاريزمية، لكنه يعوض عن ذلك بكفاءته المشهود له بها". ويتردد حالياً سؤال في أروقة الأمم المتحدة حول مدى قدرة "بان كي مون" على قيادة مؤسسة ضخمة مثل الأمم المتحدة، ومدى توفره على صفات القيادة، لاسيما في ظل بيروقراطية ثقيلة تضم أكثر من تسعة آلاف موظف وتعمل بميزانية سنوية تقدر بخمسة مليارات دولار. ويبدو من خلال عمليات التصويت التجريبية, التي جرت في الآونة الأخيرة, أنه بات من المرجح جداً أن يكون "بان كي مون" هو الأمين العام الثامن في تاريخ منظمة الأمم المتحدة التي خرج كيانها إلى حيز الوجود بصورة رسمية في 24 أكتوبر 1945. وقد أخذت الأنظار تتجه الآن إلى المرشح الكوري الجنوبي, الذي تمكن من إحراز دعم قوي على حساب منافسيه من أبناء قارته الآسيوية, وينظر كثير من المراقبين إلى أن اختيار هذه الشخصية ربما يعزى إلى "حنكته الدبلوماسية وقدرته على صنع التسويات". ويعد "بان كي مون" الذي يتولى الخارجية الكورية الجنوبية منذ يناير 2004 أحد وزراء الخارجية القلائل الذين تمكنوا من الصمود في هذا المنصب لفترة من الزمن بعد عدة أزمات بين الكوريتين .ويقول عدد من الذين عملوا مع "بان كي مون", البالغ من العمر 62 عاماً إنه يتميز بحماس كبير في أداء عمله الدبلوماسي الذي بدأه منذ 36 عاماً تخللتها عشر مهمات مرتبطة بالأمم المتحدة. وقد بدأ "كي مون" نشاطه الدبلوماسي سنة 1970 بعدما حصل على البكالوريوس من الجامعة الوطنية العريقة في سيئول, استكملها بعد ذلك بدراسات في معهد كينيدي "كينيدي سكول" التابع لجامعة هارفارد الأميركية. وشغل منصب السكرتير الأول في البعثة الكورية الجنوبية لدى الأم المتحدة لمدة سنتين (2001 -2003) كان خلالها أيضاً مدير مكتب رئيس الدورة السادسة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال دبلوماسي في هذا الصدد إن "بان كي مون يعتبر, بشكل عام, وسيطاً جيداً جداً يتسم خصوصاً ببراعة في وضع التسويات وتحقيق التوافق", موضحاً أنه أيضاً "على معرفة جيدة بالأمم المتحدة, وأعطى انطباعاً جيداً جداً في نيويورك". ولاشك أن الاهتمام الكبير الذي يوليه الدبلوماسي الكوري الجنوبي للجهود الإنمائية سيساعد الدول الإفريقية في الحصول على إعانات إضافية تخفف عنها بعضاً من مشكلاتها المتراكمة. وأثناء عمله في وزارة خارجية بلاده, ورث "بان كي مون" الملف الكوري الشمالي الحساس في أوج التوتر بشأن البرنامج النووي لبيونج يانج. وقد شارك في المفاوضات متعددة الأطراف التي تحاول منذ ثلاثة أعوام إقناع الشمال بالتخلي عن التسلح النووي, كما كلف كذلك بتهدئة التوتر بين بلاده وحليفتها الولايات المتحدة وكذلك بين سيئول وطوكيو. وقال متحدث باسم الخارجية الكورية الجنوبية إن هذا الرجل الهادئ والعنيد الذي يملك تصميماً كبيراً يشبه "قبضة حديد في قفاز من حرير", مشيراً إلى أن "بان كي مون", الذي يعمل بجد, يقسم جدول عمله إلى فترات تستغرق كل منها خمس دقائق. ومع أن معارضيه يصفونه بـ"البيروقراطي" إلا أنهم يعترفون بقدراته الاستثنائية على العمل. ماجي فارلي وبروس ولاس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عضوا هيئة التحرير في "لوس أنجلوس تايمز" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"