أعلنت الأسبوع الماضي أسماء الهيئات الانتخابية للإمارات السبع وقد بلغ عدد المرشحين 6689 منهم 1189 امرأة للتنافس على شغل 20 مقعداً في المجلس الوطني الاتحادي موزعين كلاً حسب عدد مقاعد إمارات الاتحاد. كما أعلن الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني عن التعليمات التنفيذية لانتخابات المجلس الوطني الاتحادي المقرر تنظيمها في أيام السادس عشر والثامن عشر والعشرين من ديسمبر المقبل. تطور طال انتظاره منذ أن أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" في خطابه بمناسبة مرور أربع وثلاثين سنة من عمر الدولة الاتحادية عن إحداث نقلة نوعية في التجربة الاتحادية بتفعيل دور المجلس الوطني "ليكون سلطة مساندة ومرشدة وداعمة للمؤسسة التنفيذية"، فكان المزج بين الانتخاب والتعيين الخطوة الأولى لتفعيل دور المجلس عبر انتخاب نصف أعضائه من خلال هيئات انتخابية في كل إمارة على أن يتم تعيين النصف الآخر. ملاحظات عدة أثيرت ومازالت تثار حول الانتخابات القادمة، وكيف ستجرى على أرض الواقع، تساؤلات حول القوائم الانتخابية وماهية أخلاقيات وقواعد الانتخابات، وهل يمكن كسب الانتخابات عن طريق شراء الأصوات؟ أو ممارسة النفوذ؟ أو الترهيب؟ وهل المدة كافية لوضع برامج انتخابية وقبل كل ذلك الإجراءات والأساليب الكفيلة بتحقيق آلية ناجحة لتثقيف المجتمع بثقافة الانتخابات لخلق وعي شعبي. بداية يجب الإقرار بأن الفصل التشريعي القادم سيرسم الملامح السياسية لدولة الإمارات، فتوسيع صلاحيات المجلس والانتقال بصفة الاستشاري إلى التشريعي إضافة إلى ممارسة الدور الرقابي على السلطة التنفيذية، ولإجراء تغييرات دستورية لتتواءم مع متطلبات المرحلة المقبلة ولتواكب التطورات السياسية والقانونية الطفرة الاقتصادية والعمرانية التي تشهدها الدولة، كل هذه المهام الجسيمة تتطلب الاهتمام المركز بالنخبة التي ستحمل على عاتقها مسؤولية التأسيس والتغيير. مسؤوليات جسيمة فيها تكليف أكثر منها تشريفاً، لذا ومع ما أطلقته العملية الانتخابية الجزئية من حوارات سياسية إلا أنها كشفت عن جهل سياسي بالنظام السياسي الإماراتي، فللأسف يطلع المواطن الإماراتي على الأحداث في فلسطين والعراق وقد يتابع تطورات الملف النووي الإيراني والأحداث بدارفور، إلا أن الوعي بأبجديات النظام السياسي كان الحلقة المفقودة. لذا فالحوارات السياسية التي أطلقتها العملية الانتخابية هي هدف بحد ذاتها بنشر ثقافة الانتخاب التي من شأنها خلق بيئة سياسية صحِّية تكسر قوالب الجمود واللامبالاة وتعزز المواطنة بالمشاركة في اتخاذ القرار. ضمت قوائم الهيئات الانتخابية مجموعة متنوعة ومتناقضة في الوقت ذاته، من الشخصيات العامة، والمغمورة، مستويات ثقافية متنوعة، خلفيات مهنية وغير مهنية من ربات المنازل والطلبة.. قوائم أثارت أكثر من علامة استفهام كما شابتها أخطاء كتضمينها أسماء انتقلت إلى رحمة الله، رغم ذلك أطلقت سلسلة من ردود الأفعال الشعبية، سؤالاً عن الانتخابات، الصلاحيات، أحقيات الانتخاب والترشح، وضع من هم داخل القوائم ومن هم خارجها، أسئلة طرحت حتى من بعض من وردت أسماؤهم في الهيئات الانتخابية، قوائم ضمت أطياف المجتمع كما يراد لها، وهي وجهة نظر تستحق التوقف عندها، فلم غلبت وجهة النظر القائلة بأن المطلوب أن تكون الهيئات الانتخابية عينة أقرب ما تكون إلى واقع المجتمع. فإذا ما أقررنا بوجهة النظر هذه فهل تمثل أسماء رجال الأعمال شريحة رجال الأعمال، وأسماء ربات البيوت هذه الفئة وهكذا، الصورة غير واضحة في كثير من الأحيان خاصة عند النظر إلى تكرار بعض الأسماء من ذات الأسرة كالأخ وأخيه أو أبيه. دولة الإمارات تزخر بكافة الأطياف وإن كان الهدف من البداية هو ملء القوائم الانتخابية فهذا حكم بالإعدام على التجربة الوليدة، وهو ما لن نرضى به. الشخص المناسب في المكان المناسب هو عنوان المرحلة القادمة، وعضو المجلس الوطني يجب أن يكون الأصلح لشغل هذا المنصب وبدون التقليل أو الانتقاص من قدر أي من الأسماء الواردة في الهيئات الانتخابية، فالوعي السياسي شرط مبدئي لشغل منصب حيوي وحساس، وهي وجهة نظر لا تتفق مع وجهة النظر التي أخذ بها عن إعداد القوائم الانتخابية. وحتى لو افترضنا جدلاً أن هذه الأصوات الانتخابية لن تترشح ولكن ستصوِّت يظل الحد الأدنى من الوعي مطلوباً، حتى لا يكون التصويت على أساس قبلي أو فئوي أو.. أو، ونعيد بذلك تكرار أخطاء التجارب الانتخابية السابقة في الدول المجاورة. توفر الوعي السياسي نقطة ضرورية، الاطلاع على الشؤون العامة نقطة محورية، كذلك فهم القضايا الشائكة في مجتمع الإمارات كالتركيبة السكانية والشفافية والمحاسبة لمن سيحمل على عاتقه الانتساب للمجلس الوطني القادم، شروط الحد الأدنى لم تعد مقبولة. ملاحظة أخرى أثارتها المدة المتوفرة لإعداد برامج الحملات الانتخابية للطامحين لشغل مقاعد المجلس الوطني الاتحادي، فأقل من شهرين مدة لا تكفي في الديمقراطيات العريقة والتي تعمل أجهزة أحزابها بتناغم عبر تجربة طويلة، فكيف هو الحال بالنسبة لتجربة وليدة لم تراكم تجارب انتخابية ولم يسبق لا للمرشحين ولا للناخبين ولا لشعب المتفرجين أن خضعوا لتجربة طرح القضايا العامة للمزايدات الانتخابية، إعداد البرامج الانتخابية من ناحية المرشحين، واستيعاب الفكرة بحد ذاتها عند الناخبين يحتاجان لفترة كان من الأجدر أن تطول حتى لا تتحول الانتخابات إلى مهرجان شعارات بمخرجات معروفة مسبقاً. حقيقة لابد أن نحرص نحن أبناء الاتحاد على تجربتنا الوليدة، فالإنجازات العظيمة التي حققتها الدولة في ظل قيادتها الرشيدة، لابد وأن نحافظ عليها ونرعاها، فاستثمار المرحلة القادمة في سبيل النهوض بالمجتمع وتأسيس وعي سياسي سيكون من أعظم نتائج التجربة، فالانتخابات ختاماً وسيلة للتغيير والتطوير لا هدفاً في حد ذاته.